كيف وصلت إلى معرفة مهمة حياتي.

 

كل شيء يبدأ بسؤال. أغلبنا لا يهتم كثيراً لأي شيء خارج محيطه الصغير و الذي يتكون من بيته و أسرته و أصدقاءه و ربما بلده..  لكن عندما تدرك أنك تعيش في كون حجمه لا متناهي، عندما تدرك أن حياتك ليست ثمينة كما كنت نعتقد لأنها مجرد نثر غبار في مجرة،  سيتحرك فيك شيء يسأل: "إذا كانت حياتي تافهة و قصيرة إلى هذا الحد، لماذا إذاً علي أن أقضيها في البحث عما يضمن صحتي أو راحتي أو أمني؟.." عندما تعطي لنفسك الإذن بالتفكير بأبعاد أخرى سترى أن الإمكانات لا متناهية.. و ستسأل: "إذاً، ماذا أريد ؟"

بدأت أسأل نفسي هذا السؤال منذ أن كنت في المدرسة الثانوية و لكنني كنت مشغولة في محاولاتي الدائمة أن أمشي على الدرب الذي يتوقع مجتمعي مني أن أمشي عليه.. حاولت بشدة و كنت ألوم كل شيء و كل الناس على حقيقة أنني كنت أعتقد أنني مجبرة على القيام بكل هذه المحاولات.. بعد عدة سنوات بدأ السؤال: "ماذا أريد" يطرق بابي بشدة أكثر و أكثر.

أولاً كنت أعتقد لا بل و متأكدة من أنني سأقبل بأي عمل يتاح لي و أنني سأحبه طالما أنه لا يتضمن الجلوس و إعمال الفكر لفترات طويلة. عملت في مقهى و في محل بيع ألبسة و لكنني وجدت أن هذا ليس حقاً ما أريده لأنني أمتلك أولويات لم أكن أعلم أنني أمتلكها. فمثلاً عند بائع الألبسة كان علي أن أحفظ كل الألبسة و أمكنتها و أن أقول للزبون أنني أحب ما سيبتاعه.. لكنني لم أكن أحب أي من البضاعة الموجودة، ففكرت: "علي أن أبذل من طاقتي و أن أخصص مكاناً في دماغي حتى أحفظ أمكنة هذه الألبسة التي لا تعجبني أغلبها؟"

ثم وجدت أنني أحب الموسيقا كثيراً. فصرت أرقص في بعض الحفلات و أرقص في أوقات أخرى في المنزل.. قال لي أحد رفاقي يوماً عندما كنا نتكلم عن ذلك فقلت له أنني لا أعلم ماذا أريد، فقال لي: "لو كنت ستموتين بعد ثلاثة أيام، ما الذي  ستفعلينه؟؟" بقيت أسأل نفسي هذا السؤال لمدة يومين ثم شعرت بالجواب لكن على ما يبدو أنني ترجمته حينها على الشكل الآتي:"أريد أن أصبح راقصة مشهورة".. سنحت لي الفرصة أن أسجل في برنامج مسابقات عالمي يعرض مواهب الرقص على التلفاز، فحضّرت كل شيء و جهزت نفسي و لكنني كنت أشعر بنفس الوقت بتردد و عدم ارتياح للأمر.. عندما جلست وحيدة اسأل نفسي لماذا أشعر هكذا تخيلت نفسي موجودة على المسرح في هذا البرنامج، و تخيلت أنني أتعلم رقصة صممها شخص آخر ثم حكم عليها شخص ثالث، فشعرت أنني أبداً لست بحاجة إلى كل هذا الانتباه و كل هذا التلقين.. شيئاً قال لي في داخلي أنني سأكون أداة للكسب المادي في هذا البرنامج. شعرت أنني أكثر بكثير من دمية تتحرك على أنغام أغنية اختارها و صمم رقصتها آخرون..

و لكنني أيضاً شعرت بنوع من اليأس بعد أن أدركت أن ما كنت أحسب أنه أكبر أحلامي ليس أكبر أحلامي.. لأنني أعدت تقييم رغباتي كلها من جديد فوجدت أنني لم أعد متأكدة من أهدافي و لا من رغباتي.. جلبت رزمة أوراق و صرت أكتب على كل ورقة "ما الذي أريده؟" و علقت هذه الأوراق في كل مكان في البيت على الحيطان و النوافذ و الأبواب. صرت أجول الغرف سائلة بصوت عالي: "ما الذي أريده" مراراً و تكراراً.

 كانت هناك إجابة واحدة تتردد كل مرة، و هي: "تريدين أن تتعلمي كيف تحبين". أشعرني ذلك بالاحباط لأنني أدركت أنني لا زلت أتعلم أبسط شيء في الحياة و هو الحب.. ليس من السهل أن يواجه المرء حقيقة جهله. روحنا ما تزال طفلة. لكننا كجنس بشري ننظر إلى الحيوان فنتكبر و نقول: "أنا أعلم و الحيوان لا يعلم". لكن الحيوانات تحب من دون أن تعلم فالحب ليس معرفة و لا منهاج بل هو الفطرة  بحد ذاتها.. و لكننا ابتعدنا عن فطرتنا فنسينا من نكون و ما دورنا. انظر إلى عيون أي حيوان يعيش حراً في الطبيعة، هل يمكن أن ترى في عيونه شيء غير الحب؟ كان عندي أرنب و كنت أضعه على حضني متأملة في عينيه و كان هو أيضاً ينظر إلى عيناي دون أن يحيد نظره عنهما. لقد رأيت في عيني أرنب قدراً من الحب لم أره عند الكثير من البشر. إنه اتصال الروح بالروح. ليس منهاجاً و لا طريقة، بل هو الطبيعة. يحصل.. عليك فقط أن تدعه يحصل.. فيك و من خلالك.

المهم أنني أدركت أن ما أريده لن يأتيني في يوم و ليلة.. و أنه ليس شيئاً أبتاعه من محل و لا درساً أتلقاه في مدرسة و لا ورقة أوقعها..

كنت أمشي في يوم من الأيام في حارات باب توما القديمة و كانت إحدى أنغام موسيقا الغيتار تعزف. كان الصوت قادماً من محل تجاري يبيع أقراص الموسيقى CD

انجذبت كثيراً إلى هذه الموسيقا و كنت قد بدأت أكتشف حينها أنني أفضل الموسيقا التي لا تحوي على الغناء لسبب ما. ابتعت القرص ثم رجعت إلى المحل نفسه و ابتعت المزيد و المزيد.  أكثر ما كنت أسمعه هو أغاني المغنية "لورينا مكينيت" Loreena Mckennitt التي كنت قد تعرفت على أغانيها منذ فترة و وجدت أنني أحب كلمات اغانيها هي فقط... لم أحب أن أسمع أي كلمات إلا كلماتها..  علمت فيما بعد أن السبب هو أنني كنت بشكل حدسي أنظف فكري من كل ما لم أعد بحاجة إليه لأن فوضى العواطف و الكلمات الفارغة هذه كانت تحتل مساحة من دماغي. كانت كلمات الأغاني الشائعة التي كنت أسمعها بلا معنى أو كانت معانيها تتمحور حول اليأس و الحزن الشخصي أو العواطف و الأشواق التي تحترق في مكانها بدلاً من أن تجوب الروح و الكون كله. أما كلمات لورينا فكانت تحكي عن حب غامض جداً و كبير جداً لا يتسع له الجسد و لا الحواس... حب لم يكن بإمكان الكلمات إلا أن تحوم حوله دون أن تمسسه. يقال أيضاً أن أفكارنا هي "برامج" في عقلنا، فهل فكرت يوماً بالذي ستجده من فوضى و برامج بالية و مهترئة في عقلك لو فتحته و فتشت فيه عن شيء ذو معنى؟ أنا لا أقول أن علينا أن ندخل المعلومات التي أصبحت تسمى بالعلمية إلى رأسنا لمجرد أنها معلومات.. إذا لم تكن هذه المعلومات تمسنا بطريقة شخصية نشعر بها على مستويات عميقة من كياننا ستبقى مجرد معلومات.. و النغم إذا لم يجعلك تعود إلى صمت قلبك و إدراكك فهو إذاً مجرد إثارة للضجيج في الحواس و الفكر... المهم، و إكمالاً لقصتي، لم يعد بإمكاني أن أصغي إلى الكلمات التي تحكي عن حب أناني أو يائس.. كان الحب الذي تتكلم عنه لورينا هو الحب الذي أبحث عنه. الآن و بعد قراءتي لكتاب دورين فرتشو "وصفات إلهية" (و الذي ترجمتُه إلى العربية) أعلم أن تغير الرغبات هذه كان من حث الملائكة لي على التغيير. كنت أعمل بنصيحتهم دون أن أدري.

الآن سأذكر بعض الأحداث أو الحقائق و ستتمكن أنت من ربطها في نهاية الأمر.. تبدو هذه الأحداث مجرد "صدف" ليس لها سبب لكن الصدفة إذا تكررت بأكثر من مكان و زمان و شكل ستجعلك تسأل و تتأمل في حل اللغز!

أمي تقول أنني كنت أرسم سمكات في كل مكان عندما كان عمري سنة. على الحيطان و على لوح الرسم.. أنا أيضاً أذكر أنني كنت في عمر الخمس سنوات أرسم سمكات في حصة الرسم في الحضانة. قالت أمي أن أحداً لم يعلمني كيف أرسم سمكات.

أحب أن أشعل الشموع حتى أراقب لهب الشمعة كثيراً و في أحد الأيام كان اللهب كبير و طويل جداً و كأن شيئاً يسحب النار من أعلاها. كان منظر النار و هي تتحرك و تعلو رائع فبقيت أنظر إلى لهب الشمعة في الظلام و أنا مستلقية في سريري إلى أن ذابت الشمعة كلها. أعلم الآن أنني كنت في حالة تأمل و سكينة.. عندما أبعدت نظري أخيراً صرت أرى مكان بقايا ضوء لهب الشمعة في عيناي شكل سمكة زرقاء. صرت أفرك عيناي لأنني حسبت أن هذا من بقايا آثار ضوء النار في عيناي.. لكن الشكل بقي موجوداً و كلما نظرت إليه بإمعان أكثر كان يقترب مني أكثر. ثم كنت أخاف فيبتعد مرة أخرى. اتصلت بصديقي و صرت أصف له ما يحصل معي و ما كنت أراه و قال لي: "هل ما زلت ترين السمكة؟" قلت نعم إنها هناك، تلحق بي أينما ذهبت." كان شيء يقول لي في داخلي "لا تخافي" و لكنني خفت و صرت أقول لنفسي: "أنا لا أريد أبداً أن أتعامل مع هذا الشيء و لا أريده أن يقربني على الإطلاق!." فلم أعد أره.  لكنني شعرت أنني كنت أقاوم رغبتي الحقيقية.

في هذه الليلة نفسها رأيت مشاهد أثناء نومي، سأصفها:

إن أحلامنا أغلبها عبارة عن أفكار مشتتة كالتي تحوم في رؤوسنا في النهار و لكن في الليل لا يبقى غيرها لذلك تشاهدها و تعيشها.. لكن أحياناً ما تراه في نومك يكون إدراكاً و نفاذ بصيرة و ليس مجرد تصور لأفكار مشتته. رأيت نفسي في هذه الليلة مستلقية على السرير. ثم رأيت أنني أمشي بالقرب من رجل يرتدي بذلة غوص كاملة، و شعرت أنه يطلب مني أن آتي معه. لم يقلها بالكلمات. لكنني شعرت أن أفعالي هي استجابة لرغبته المليئة بالحب و الاحترام. مشينا على الهواء سوياً و كأننا نطير بخفة إلى أن وصلنا إلى الضفة الأخرى من البحر حيث كان الشلال تحتنا عند الحافة و نظرت إلى الرجل ثم نظرت إلى تحت و كأنه هو أرادني أن أنظر إلى تحت.  ثم، و في مشهد آخر، رأيت دلافين كثيرة تسبح بشكل دائري تحت البحر و تصدر أصواتاً جميلة و فرحة فجعلني ذلك أبتسم.. أذكر إلى الآن الشعور الدافئ الذي شعرته في قلبي و أنا أنظر إلى هذا المشهد لمدة حوالي خمسة دقائق كاملة. ثم وجدت نفسي مستلقية في سريري مرة أخرى و سمعت صوت ماء خفيف فقلت في رأسي: "لا بد أنها تمطر في الخارج." لم أكن أعلم أنني كنت نائمة حسبت نفسي فقط مستلقية. في نفس الوقت كان السرير و كل ما حولي يهتز و كانت الاهتزازات تتسارع جداً.

اقترب صوت الماء أيضاً حتى صار جنب أذني. ثم شعرت و كأن دماغي يتخدر أو أن شيئاً داخل رأسي يزول. عندها ارتعبت و أردت أن أتحرك حتى أستدير حولي و لكنني لم أقدر على الحراك. علمت عندها أنني كنت نائمة لأن هذا الشلل حصل معي من قبل و كنت أدرك عاجلاً أم آجلاً أنني"عالقة" في الحلم و لا أقدر على الاستيقاظ. المهم أنني استفقت بعد بذل جهد جهيد و رأيت نفسي في غرفتي بالوضعية التي رأيت نفسي عليها في حلمي. كنت أشعر بخوف شديد لأنني لا أعلم ما الذي حصل. (يقال "الإنسان عدو ما يجهل") فجلست و سألت نفسي. أنا أقول "سألت نفسي" و لكن دورين فرتشو تقول أنك تكلم ملائكتك في حالة كهذه. سألت: "ما الذي حصل؟" فقالوا:  "كنا نريد أن نأخذك في رحلة حتى تسبحي تحت الماء مع الدلافين لأن هذا كان سيساعد على شفاءك من مخاوفك.. ألم تري كم كان الدلافين مرحين؟ ليس لديهم أي خوف. كنا نريد أن نعلمك كيف تمرحين مثلهم." ثم سألت: "و لماذا كان الرجل يرتدي بذلة غوص و من هو هذا الرجل و لم أصبح كل شيء يهتز من حولي؟" قالوا لي: هل تذكرين الفيلم "كونتاكت" (التواصل) الذي مثلت فيه جودي فوستر؟ (إنه فيلم من سنة 1997 كتب قصته عالم الفلك كارل ساغن carl sagan") في هذا الفيلم العالمة إيلي تريد أن تتواصل مع حياة خارج كوكب الأرض و في نهاية الأمر عندما تركب السفينة الفضائية تهتز المركبة و كأن انفجار سيحصل، ثم ينفصل قسم منها عن الآخر و تقع المركبة ببساطة في قاعدتها. يفقدون ارسال الاتصال اللاسلكي معها لمدة أجزاء من الثانية أما هي فقالت أنها ذهبت إلى كوكب آخر و تكلمت مع شخص. المشاهد يرى كل ذلك حيث أن هذا الوقت الذي هو بالنسبة لزمن الأرض "جزء من الثانية" كان كافي لتلتقي هي بأحدهم و تجري معه حديثاً. أنا أنصح الكل بمشاهدة هذا الفيلم.

 المهم قالوا لي أن شكل لباس بذلة الغوص كان مناسباً بالنسبة للجو الذي كنت فيه لأن رؤيتي لشخص يلبس بذلة غوص في مشهد بحري سيجعل من الأسهل علي أن أستجيب لدعوته لأن عقلي يرى أن من "المنطقي" أن أثق بغواص إذا رافقني و طلب مني أن أغوص. كان على جودي فوستر في الفيلم أن تفك نفسها مما يربطها بالكرسي حتى ترى ما رأته و عندما قدّم الطاقم المسؤول عن بناء السفينة الفضائية هذا التعديل البسيط الذي أجروه على السفينة التي لا تحوي على حزام يربطها بالكرسي سألت جودي: لماذا؟ ألا يجب أن نثق بالمخطط الأصلي لبناء المركبة؟ قالوا لها أن هذه تدابير احتياطية يجب اتخاذها من أجل سلامتها و هي أقل ما يمكن أن يقوموا به. شعرت أنني إذا أردت أن أشبّه ما حصل معي سأقول أن الجسد مثل الكرسي الذي كانت جودي ترتبط به. الخوف من الموت يربطنا بأجسادنا فيجعلنا نتعلق بالجسد و بالحياة على الأرض. لكن روحك لا يحدها جسدك..

 ستجوب روحك أماكن كثيرة جداً و ستختبر أشياء كثيرة. الجسد مثل الكرسي نركبه لإتمام غرض معين. لاختبار التجارب المادية. من دون هذه التجارب لن تنضج روحنا بل ستبقى تبحث عن موطن لها.. لكنها إذا بنت جذورها في الجسد الذي هو امتداد لهذه الأرض، ستتطور و تنمو و تفوح كالزهرة في السماء السابعة. عندما تتكسر هذه القوقعة التي اسمها "جسد" ستصبح التربة الصالحة .. أي الأداة اللازمة لإتمام المهمة.. بمجرد أن تعلم أن هذا الجسد لا يحد إمكانياتك "ستتكسر القوقعة". "كسر القوقعة" يعني كسر الفكرة أو المعتقد. أما الموت فهو جزء طبيعي من الحياة فأنت تموت كل يوم في الزفير و في سكون الليل و راحة المساء و في حضن الأم.

عندما سألتهم "لماذا عرضتم علي منظر الدلافين لفترة طويلة" قالوا لي: "أردنا أن نأخذ اذنك فكان شعورك بالفرح و الطمأنينة هو الإجابة التي كنا ننتظرها منك قبل أن نباشر بتغيير الترددات و الاهتزازات حتى ننقلك إلى موجة أخرى.

في اليوم التالي تكلمت مع أحد أصدقائي عن الموضوع فقال أنه يعلم أن حالة "الشلل أثناء النوم" هي ظاهرة علمية و أن هناك أيضاً ظواهر علمية اسمها "تجارب خارج الجسد". قال أن بإمكاني أن أبحث عنها على الانترنت في محركات البحث باسم

Out of Body Experience  و sleep paralysis

شرح لي صديق آخر أن الروح تكون عادة معلقة فوق الجسد مباشرة في أغلب الحالات أثناء النوم لكن عند بعض الناس (الأكثر استسلاماً) قد تجوب أماكن أخرى و تتعلم أشياء تساعدها على تحقيق مهمة حياتها على الأرض.

رحت أيضاً أبحث في الانترنت عن السباحة مع الدلافين و ما ترمز إليه الدلافين في عدة ثقافات. وجدت أن هناك العديد من المواقع التي تتحدث عن الشفاء عن طريق السباحة مع الدلافين. أثبت علمياً أن أصواتهم لها ترددات شفائية كذلك طبيعتهم المرحة و المحبة. كما أنني قرأت أن الدلفين يريد أن يعلم الإنسان أن يسترخي و أن يتنفس بعمق لأنه ماهر في فعل ذلك.. إنه يصعد إلى فوق سطح الماء حتى يتنفس من الثقب الموجود على رأسه.

بعد فترة من الزمن استشرت أحدهم بشان صحتي لأنني شعرت أنني تعبة فقال لي أن حسب الطب الصيني الذي يقول أن مرض الإنسان ظاهر في ملامح وجهه قال أن ملامح وجهي تقول أن عندي بداية مشكلة في رئتاي و نصحني بالتنفس بعمق و بملء الصدر و البطن.

لاحظت أن الخوف (الذي غالباً ما نكتمه داخلنا ) و التفكير بقلق يجعل الإنسان يأخذ أنفاساً قصيرة و سريعة دون أن يعي أنه يفعل ذلك.. لكن ما أن تتنفس بعمق  مرة واحدة حتى تلاحظ أنك أكثر استرخاءً بقليل.

 

في العودة إلى قصتي، قررت أن أسافر حتى أدرس الطب الصيني و اقترضت مبلغاً من المال. ثم قررت أن أرجع إلى سوريا و أن أتمم هذه الدراسة بنفسي لأنني لم أرتاح لطريقة التدريس.. ثم قررت أن أعمل بالزراعة لأنني تطوعت في العمل بالزراعة العضوية لفترة و أحببت العمل بالتراب.. مع أنني لم أكن متأكدة من أنني أريد ذلك إلا أنني كنت متأكدة من أنني سأدرس عن ذلك و سأقوم به أو أنني سأجد شيئاً آخر أحبه أكثر حتى أفعله. قلت لأحد أصدقائي أنني أريد أن أتعلم عن الزراعة و قال أنه يريد أن يعطيني كتاباً و أقراص فيها معلومات عن الزراعة بالتناغم مع دورات الطبيعة و الكواكب. التقيته هو و صديقته في مقهى و جلسنا نحكي فتكلمنا عن الموسيقا فوصفت لهم مشاهد من كلمات أغنية لورينا مكينيت فلاحظت صديقتي أنني كنت أصف المشهد بشغف فقاطعتني و قالت باندفاع: "هل تحبين الموسيقا؟" فأجبت على الفور و دون تردد: "كثيراً جداً" فقالت: "إذاً لماذا لا تسيرين في هذا الدرب؟ تريدين أن تنقذي العالم يعني؟ أنقذي نفسك فقط و سيكون هذا كافٍ"

فكرت فيما قالته و علمت أنني لم أكن حتى أجرؤ على التفكير بأن أصبح عازفة و مغنية لأنني لم أكن أعتقد أن هذا ممكن أن يحصل لي. كنت أعلم أنه ممكن لأنني كنت أعلم أن "الإمكانات لا متناهية"، لكن قناعاتي المغروسة فيّ منذ الطفولة كانت لا تزال تمنعني من التفكير بذلك إلى حد ما. كلنا من دون استثناء نحمل قناعات بالية نعرّف من خلالها أنفسنا. لأن أهلنا قالوا لنا مراراً و تكراراً أن ما نفعله لا يكفي لأننا لا زلنا نرتكب الأخطاء. النقد لا يمكن أن يعلم الطفل أن ينضج. توجيه الطفل يعني أن تحترم قدراته و تساعده على توجيهها بدقة أكثر، لكن الأهل يعلموننا أن هناك شيء مهم ينقصنا و أنه لا يصح أن نبدأ مشوارنا في الحياة من دون هذا الشيء. ربما هذا الشيء هو "التركيز" أو "الجمال" أو "المقام العالي في المجتمع" أو "المال" أو "الذكاء" أو "الهدوء" أو "الاستقلالية".. فنقضي حياتنا باحثين عن شيء لن نجده أبداً لأنه موجود أصلاً في داخلنا و لن نكون على اتصال به إلا إذا وضعنا أنفسنا على الدرب الذي سيوصلنا به. كيف ستحصل على "الاستقلالية" إذا لم تقم بخيارات مستقلة أصلاً؟ كيف ستصبح "هادئاً" من دون أن تلتفت لاهتماماتك الموسيقية –أو الطبية –أو الرياضية إذا كانت الموسيقا – أو الطب – أو النحت هو أكثر ما يجعلك تختبر الهدوء و السكينة الموجودان فيك؟

أهلنا أيضاً هم ضحية هذه المعتقدات.

رجوعاً إلى قصتي، أرادت صديقتي هذه بعدها بقليل أن تقاطع صديقي لتقول شيئاً و لكنها ترددت لأن ما ستقوله ليس له أي علاقة بما كنا نتكلم عنه. حثها صديقها على التكلم فقالت أن الاستحمام بالملح البحري سيفيدني كثيراً.

في نفس اليوم رجعت إلى المنزل. كنت أقرأ كتاب لدورين فرتشو اسمه goddesses and angels و كان قد بقي منه حوالي خمسون صفحة و كنت قد توقفت عن قراءته منذ فترة. قررت أن أكمل قراءته حينها فقرأت الفصل الذي يتحدث عن شعوب البحار. تتحدث الكاتبة في هذا الفصل عن كيف أننا جميعنا لنا أصول مختلفة و تطورنا بطرق مختلفة، و هو ما تدعوه بعض الثقافات ب"التقمص" أو "الحياتات السابقة التي قادتك إلى اختبار هذه الحياة بالشكل التي هي عليه". تقول الكاتبة أن أصول البعض بحرية. (أي أن عنصر الماء يطغى على طبيعتهم، لأنهم فضلوا أن يتجسدوا في البحار في أغلب مراحل تطورهم ). سأترجم القسم من النص الذي لفت نظري:

"العديد ممن شارك باستطلاعات الرأي من ذوي الأصول البحرية قالوا أنهم يتخذون إجراءات معينة ليبقوا بصحة جيدة و حتى تبقى حرارة أجسادهم معتدلة، أحد هذه الإجراءات هي الاستحمام بالملح البحري بكثرة، و أكل الأعشاب البحرية، و قضاء العطلات في الأماكن الاستوائية الحارة بكثرة و تجنب المناطق ذات المناخ البارد".

و الدلافين معروفين بأصواتهم الجميلة الشافية كما أن الأساطير تحكي عن غناء ساحر قادم من "حوريات البحر" أو "رجال البحر". جزء من حبي للرقص العربي هو أنني كنت أعتقد أنه يشبه السباحة الدائرية في الماء.

 

ما أريد أن أقوله في النهاية هو أن كل جواب يبدأ بسؤال. اسأل و اتبع حدسك و الإشارات و حتى لو لم تكن متأكداً من معنى الإشارة امضي في سيرك إلى الأمام. و ستكتشف الكثير عن نفسك. ستعلم أنك تجهل الكثير و أنها مغامرة لم تبدأ بعد!

 

 

أرسم سمكات و عمري سنة في هذه الصورة

 

نشر هذا المقال في العدد / 56 / شباط 2012 من مجلة "الباحثون"     http://www.albahethon.com/?page=show_det&id=1399

 

العودة للصفحة الرئيسية 

م)