لماذا الرجال مهووسون بالجنس؟

هل سبق و أن التقيت بطفل لا تعرف جنسه؟ يمكن لجهلنا بشيء أن يكون مزعجاً جداً .. الحقيقة هي أننا لا ندرك كم كبير هو الفرق الذي نخلقه في معاملتنا للأشخاص الذكور من جهة و الأشخاص الإناث من جهة أخرى. إن هذه الفروقات ليست خفية على أحد طبعاً، لكنها كالهواء الذي نتنفسه لذلك لا ندرك وجودها حين تتواجد.

ليست عندنا أي تجربة في التعامل مع كائن بشري بغض النظر عن جنسه و ما يثبت ذلك هو أن أغلبنا لا يشعر بالراحة في التعامل مع شخص لا يعرف جنسه.

إن أول سؤال نسأله عندما يأتي شخص  جديد إلى العالم هو: هل هو صبي أو بنت؟ ربما لا يمكننا أن نعرف الفرق لأنه لا يوجد فرق أصلاً! مع ذلك تتم معاملتنا منذ لحظة الولادة (بل و حتى منذ قبل الولادة) على أساس الجنس. لا نُعتبر ققط ذوي جنس، بل و تتم برمجتنا حتى يصير لنا جنس. الطريقة التي يعامل بها الصبيان لحظة بلحظة و يوم بيوم و على مدى مدة طويلة من الزمن تشكل هويتهم، و الطريقة التي يتعلم بها الصبيان أن يكونوا ذكوراً تقودهم حتماً إلى نوع من أنواع الهوس بالجنس خلال نموهم.

________________________

 

عزل الصبيان

تعتبر القبلات و الضم أمر  محبب ممارسته مع كل الأطفال  الرُّضع، نبقيهم قربنا  ملاصقين لنا و نعصرهم و نغمرهم مهما كان جنسهم (ذكراً كان أم أنثى). لكن عندما يصبحون أكبر نتوقف عن معانقة الصبيان و لمسهم بحنية أو احتضانهم. إذا اقترب صبي من أحد البالغين للحصول على هذا النوع من الحميمية نرفض أن نعطيه اياها باسم أننا نريد أن "نعلمه الاعتماد على نفسه". مع أن ذلك يشجع على الاستقلالية إلا أنه يفعل ذلك على حساب الحاجة إلى الحميمية و التقارب. هذه العزلة التي نفرضها على الصبيان يتم دعمها بالبرمجة المجتمعية المبكرة التي تعلم الصبيان أنهم مختلفين عن البنات و أنهم حتى أفضل.

يتعلمون حتى أن عليهم أن يبعدوا البنات عنهم أو أن يكرهوهم. أما إذا كانوا محظوظين بما فيه الكفاية ليتجنبوا هذا القسم من البرمجة و لتستمر علاقتهم مع البنات في كونها علاقة مساواة يتم تلقيبهم بال"طنطات" أو يسمعون مراراً في أذنهم أنهم "مثل البنات". أما العلاقات المحبة و الحنونة التي يخلقونها مع  صبيان آخرين  تجلب عليهم لقب "المخنث" و تضعهم تحت تهديد خطر العنف و يتجنبه الآخرون .

نشجع الصبيان بدلا من ذلك أن يطوروا  علاقات مع صبيان اخرين، علاقات مصبوغة بسمة المنافسة كصفة أساسية : كلعب الرياضة ، و التنافس بضراوة للحصول  على المرتبة الأعلى في التراتب الهرمي الاجتماعي كالفرق الرياضية و النوادي، و بعد ذلك في الأخويات و العصابات.

تجتمع هذه المجموعات غالباً لغرض ممارسة العنف على مجموعات أخرى، إما بأن يغلبوهم في المنافسات أو بشكل من أشكال العنف الرمزي الأخرى. أما في الجيوش التي يشارك فيها عدد كبير جداً من رجال العالم في مرحلة ما، نتعلم أن نقتل و أن نكون مستعدين للقتال، و يكرر هذا النموذج نفسه في حروب العصابات بكل أنواعها.

إن هذه المجتمعات القائمة على أساس العنف تملأ بعضاً من حاجاتنا للرفقة و التواصل عندما لا يتوافر بديل ألطف، لذلك فإنها لا تبدو أنها تساهم في خلق عزلة الذكر، لكن المجموعات المحفذة للتنافس و اتخاذ الآخرين خصوم توفر التعاضد ضمن المجموعة الواحدة على حساب وجوب اعتبار كل شخص آخر خصم لك. تولد هذه المجموعات الخوف من الآخرين، حتى من الآخرين التابعين لنفس المجموعة لأن معهم يجب أن نتنافس على الرتبة.. قد لا نكون وحيدين عندما نكون مع الأعضاء الآخرين في المجموعة لكن العزلة الداخلية تكون شديدة. العلاقات بين أعضاء المجموعة  تتشابك و تنكسر من الضغط الناتج عن وجوب الدفاع عن نفسنا و حمايتها و إثباتها. إن ذلك يختلف كثيراً عن العطاء و الرضا الذي يسود العلاقات المتساوية المشتركة الخالية من الخوف.

إن العملية الممنهجة القائمة على رفض التواصل و الإهانة و الإبعاد و البرمجة الجنسية و الخوف من المثليين و التنافس و اطلاق الألقاب و التدريب على  العنف تترك الصبيان في عزلة منفردة أكثر فأكثر. فتصبح عادة "الانعزال" أمر مألوف. الانعزال قطعة من ميراث البرمجة المجتمعية التي نحملها معنا نحن الرجال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ . إن هذا الوصف للبرمجة الذكورية لن يتطابق تماماً مع تجربة كل صبي. لكن بعض العوامل موجودة بشكل عام تقريباً بطريقة أو بأخرى في تجربة الصبيان الذين يكبرون في مجتمعنا الحالي. العزلة هي عامل من أحد عوامل ثلاثة أساسية في برمجتنا المجتمعية التي تتركنا لاحقاً معرضين للهوس الجنسي.

 

كبت مشاعر الصبيان:

الصغار بالعمر يبحثون بشكل طبيعي عن أشخاص اخرين للمساعدة و الدعم عندما تواجههم مشاعر مؤلمة. عندما يتألمون، يشعرون بالخوف، يصبحون غاضبين أو محرجين، محبطين أو حزينين، يبحثون عن الانتباه و يتوقعونه. الانتباه المحب من قبل شخص آخر ضروري ليشعروا بهذه المشاعر و لشفاء الألم الذي تسببت به.

عزل الصبيان يمنعهم من البحث عن الانتباه الذي هم بحاجة إليه و يمنعهم من أن يعتقدوا مجرد اعتقاد أن طلب المساعدة شيء طبيعي و صحي. نتركهم يتعاملون مع المشاعر بأنفسهم. (و لهذا هم يهربون منها بأشكال عديدة من الإدمانات و العادات السيئة، لأنهم لا يعرفون أن يتعاملوا معها). و الأسوأ من ذلك أنهم يمتلئون بالرسائل التي تقول لهم أن المشاعر هي أشياء لا يختبرها "الرجال الحقيقيون". يتعلمون أن "الصبيان الكبار لا يبكون"، فيتم كبت عملية البكاء و قطعها و تجاوبهم مع دموع الاخرين يكون إما بالتجاهل أو بالسخرية، أو بتهديدات العنف.

يقال لهم أيضاُ أن الخوف هو شيء اخر يهدد ذكورتهم، لذا لا يجب أن يخافوا. نتوقع منهم أن يقفزوا إلى نشاط معين بغض النظر عن خطورته بدون أن يبدوا خائفين. ينكر المجتمع حقهم في الشعور بعوطف أخرى كهذه و يتعلمون بسرعة أن التعبير عن مشاعرهم يجعل حالتهم أسوأ!

مع الوقت يتدرب الصبيان على عدم الشعور بالمشاعر و العواطف حتى لا يعبروا عنها، فيعطلون قدرتهم على إدراك تجربتهم الشخصية و يخدرون الشعور عندهم. إن ذلك مع الوقت يقلل من قدرتهم على الشعور بأي عاطفة سواء كانت عاطفة فرح أو ألم أو أي عاطفة اخرى. ان من يقطع صلته مع الآخرين و القدرة على الاحساس بما يشعرون به  يصبح مقطوعاً عن ذاته و غير قادر على الاحساس بنفسه.

 

تخديرالإحساس في أجسام الصبيان

لأننا نُجبر على  تخدير أنفسنا عن الشعور بكل هذا الكم من المشاعر ، نفقد التواصل مع جسدنا و الأحاسيس التي تسري به. نتعلم ، أحياناً بالمعنى الحرفي للكلمة، أن نقسي أنفسنا ضد الألم و الضغط و الجهد الجسدي.. نصبح قساة فعلاً.. لأننا نقول للصبيان أن "يتصرفوا كالرجال" فنحن ندربهم على ألا يشعروا بالألم الجسدي و ألا يبكوا و أن يكملوا ما يفعلونه و كأن شيئاً لم يحصل، بالرغم من الألم. إن هذا هو بالضبط التدريب اللازم لاقناع الرجال بالعمل لدرجة الارهاق و الأذى الجسدي، في كلا مجالات المهنة و التدريب العسكري في الجيش.

أن نكون أحياء بجسدنا، واعين و مدركين لحواسنا، قادرين على التنفس بعمق بأخذ انفاس عميقة كاملة، تعلمنا أن هذه الأشياء لا يفعلها من يتمتع بالذكورة، تعلمنا أنها خصال غير ذكورية. تم استبدال الشعور و القدرة على الإحساس بالروتين.. بالرغم من اننا نلحظ وجود المشاعر المتطرفة القوية عند ظهورها إلا اننا غير قادرين على إدراك الدرجات المرهفة و الرقيقة من المشاعر. لقد فقدنا الرقة و اللطف، هذه الصفات البطيئة و الرقيقة.  ولدنا في أجساد معدة بشكل مذهل و بارع لاستقبال الشعور و الأحاسيس، فهل تتخيل كيف أننا جُبرنا على إغلاق أنفسنا بالأقفال و قبول الخدر في أجسادنا و كأنه حقيقة مسلم بها؟

 

 

هل الجنس هو الحل؟

قد يكون هذا الوصف متطرفاً جداً، لكنه مجرد صورة لما نعتبر أن فرضه على الصبيان أمر طبيعي. لا نحب أن نصدّق أننا وصلنا إلى حال متطرفة  كهذه. نعتقد اننا إذا وصلنا إلى هنا أحياء على هذا الشكل فهذا يعني أن الوضع ليس سيء إلى هذه الدرجة. إذا لم يكن يبدو لنا أننا كرجال  فصلنا عن بعضنا البعض و عن النساء و عن مشاعرنا و عن أجسادنا، قد يكون السبب في ذلك هو أننا فقدنا أي ذكرى تذكرنا  بأننا كنا في يوم من الأيام متصلين و مترابطين إلى هذه الدرجة.

بالنسبة لأغلبيتنا، الفرح المتوفر و الممكن اختباره في حياتنا اليومية خارج عن مدى إدراكنا لدرجة  أننا نجد صعوبة في مجرد تخيله. اعتبر معي للحظة أن أغلب الرجال على قيد الحياة قد تعرضوا لشكل من أشكال البرمجة الممنهجة هذه. ما هي حال البشر الذين يتم عزلهم عن التواصل الحميمي مع الاخرين و قطعهم عما يصلهم مع مشاعرهم و نخدير إرداكهم الجسدي منذ وقت مبكرة من حياتهم.

مرعلينا وقت كان بإمكاننا فيه أن نرى أننا فقدنا الشعور بنبض الحياة في عروقنا

 

يوصل لنا المجتمع رسالة،  بطريقة غير مباشرة، مفادها بأن  الجنس هو الواسطة المتاحة التي من خلالها لا يزال بإمكاننا أن نعبر عن جوانب أساسية من إنسانيتنا و أن نختبرها، هذه الجوانب التي شفرنا المجتمع على إقصاءها ببطء و بطريقة ممنهجة.

يتم تقديم الجنس على أنه كان و لا يزل هو الطريق إلى الحميمية الحقيقية و التقارب التام، على أنه الحقل الذي يسمح لنا فيه أن نحب بانفتاح و أن نكون حنونين و حساسين و ضعيفين و بالوقت نفسه أن نبقى بأمان. ندرك أنه الحقل الذي يسمح لنا فيه ألا نشعر بعمق الوحدة . الجنس هو المكان الوحيد الذي يبدو أن الحس و الإحساس مسموح فيه، المكان الذي فيه يمكن لنا أن نكون لطيفين مع أجسادنا و أن نسمح لنفسنا باختبار الشغف المنهمر و المتدفق في حياتنا. المتعة و الرغبة، النبض و الحماس الذي على ما يبدو تركناهم في مكان لا يمكن حتى أن نتذكره، تصبح كلها متاحة مرة أخرى و يصبح بالإمكان أن نتخيلها و نتوقعها بفضل الجنس.

لهذا السبب الرجال مهووسون بالجنس إلى درجة كبيرة كما نرى في مجتمعاتنا اليوم. نولد كائنات حسية بمقدرة غير محدودة على الشعور و على التواصل بعمق و بدون أي جهد مع كل البشر. ثم تتم برمجتنا و تشفيرنا من قبل المجتمع فنتعلم أن نكبت الحس و أن نخدر الأحاسيس و المشاعر و أن نتجاهل أجسامنا، و أن ننفصل عن الرباط الطبيعي الموجود بيننا و بين كل شخص. كل هذه الاحتياجات البشرية يعدنا المجتمع بالحصول عليها عن طريق الجنس و التعبير الجنسي.

و إن هذا في النهاية هو فعلاً وعد فعال لأن يمكن للجنس حقاً أن يكون نبع لا ينضب و لا جف من الحب و المتعة و الحميمية و الشعور و الجمال. لكن لا يمكن للجنس وحده و لا بأي طريقة أن يملأ و يلبي هذه الاحتياجات بشكل تام. لا يمكن لهذه الاحتياجات أن نلبيها إلا من خلال العمل على الشفاء من البرمجة الذكورية و أن نملأ كل فراغ و كل مكان في حياتنا بالتواصل و نبض الحياة الحي.

__________________________________________

 

من الشغف إلى الهوس

   سأشرح الأمر من خلال التشبيه التالي: كائن لديه قدرة خارقة من القوة و الشغف تم تصغيره و تضئيل حجم قواه و إخمادها على مدى عدة سنين. ذكرى الشغف تم تخديرها لتنام بعمق داخل هذا الكائن  فأمضى تجارب حياته كلها و هو يحمل معه شعور دائم في خلفية كيانه يعلم بأن هناك شيء مفقود، شيء على غير ما يرام.

ظهر في يوم من الأيام لوحة إعلانية و على هذه اللوحة صور لأجساد عارية و وضعيات جنسية مثيرة و حول هذه الصور كتبت الكلمات التالية: "الشغف متوفر هنا"! فتحمس هذا الكائن  لمجرد حتى فكرة الشغف، هذا الشغف الذي شعر به يستيقظ داخله،  فاندفع بدون تفكير أو تردد إلى الأمام، من دون أن يأخذ الوقت اللازم لقراءة ما كتب في أسفل الإعلان بخط صغير. هذا ما كتب في أسفل الإعلان بخط صغير:

"إذا اتبعت هذا الطريق،  فحضر نفسك على طريق إعادة إيقاظ الشغف أن تمر ببلاد اسمها الهوس. اعلم أن أغلب الرجال لا يخرجون من هذه البلاد ما ان يدخلوها فيبقون سجنائها. ستعتقد أن الجنس هو الدواء لوحدتك و الجواب الشافي لشعورك بالموت البطيء الذي يحصل داخلك. لكنك ستكتشف في نهاية المطاف أن الجنس سيزيد  هذه المشاعر. ستشعر أنك تنبض بالحياة عندما تفكر بالجنس أو تمارسه أكثر من ممارسة أي عمل آخر . عندما تختبر الجنس على أرض الواقع ستجد أنه يشعرك بأنك قريب من إنسان آخر أكثر من أي وقت مضى تتذكر أنك اختبرت فيه التقارب. . 

لأنك ستشعر أنه من الآمن لك أن تهتم بالآخر،  ستبدأ بالشعور بمشاعر الاهتمام و الشغف العميقة ، و ستشعر بكل الفرح و المتعة و كل المشاعر الأخرى التي بقيت محبوسة داخلك لفترة طويلة جداً، بما في ذلك كل الخوف الذي لم تشعر يوماً أنه من الآمن أن تشعر به. و بالتالي كلما اقتربت كلما ستشعر بالخوف.. و ستجد طرقاً للانسحاب و الابتعاد، و ستبدأ بالاعتقاد بأن الأمر برمته غير آمن و أنك لا تزال رغم كل شيء وحيداً كما كنت دائماً تشعر. ستبدأ بلوم نفسك و لوم شريكك على عدم قدرة الجنس على جعلك تعود مرة أخرى لتكون ذاك الكائن الرقيق و الحساس و العظيم و الشجاع و الحرالذي ولدت لتكونه . لكن لأنك تذوقت شيئاً من الألوهية، و لمحت منها لمحة عن طريق الجنس ستبحث عن الجنس  كحل لمعضلتك التي تملأ حياتك.

إذا نجوت من إدانه نفسك بسبب كبتك الجنسي ستبحث بشراهة و يأس عن أنواع جديدة من التواصل الجنسي، حقيقية كانت أو مُتخيلة لتشعرك بالاكتمال أو لتشعرك بأي شيء على الإطلاق . لكن لا يهم كم عدد لقاءات الجنس التي تعقدها،  لن يكون كل هذا الجنس كافياً لملء حاجتك الهائلة لتحب و تكون قريباً من أحدهم و لتعبر عن شغفك و لتزهزه بأحاسيسك و لتشعر بقوة الحياة و نبضها يسري في عضلاتك و جلدك. كل رغباتك الجنسية سيلونها يأسك و لهثك وراء الجنس. ستبدأ بالاعتقاد بأن الشغف و البحث اليائس اللاهث شيء واحد. ستصبح مهووساً."

يصبح الجنس إدماناً بسرعة كبيرة بالنسبة لأغلب الرجال. مثله مثل الإدمان بجميع أشكاله، سيوفر الجنس راحة مؤقتة قصيرة من الظروف الصعبة ، فقط ليتركنا في نهاية المطاف أكثر انغماساً بهذه الظروف، و نحسب بأن المزيد منه هو الطريقة الوحيدة لنتمكن من التنفس وسط كل الظروف الخانقة. حتى إذا لم نمارس الجنس العابر الخالي من العاطفة أو شاهدنا البورنو او مارسنا العادة السرية او عادات هوس أخرى جنسية محاولين من خلالها أن نسترجع ما سُجل في النسيان، سيبقى الجنس يأخذ في حياتنا نمطاً و طبعاً إدمانياً.

عندما نتخيل الجنس و نحلم بالأشخاص الذين يمرون في دربنا بطريقة جنسية، عندما نمارس الجنس و نشعر بحاجة ملحة و طارئة للدخول و تفريغ العضو، للوصول إلى "النهاية، للوصول للنشوة العضوية بأي طريقة تكون هذه الاندفاعات هي ما يحركنا و يستحوذ علينا. من الصعب أن نتقبل أن محاولات كهذه لاسترجاع ما فقدناه ستفشل دائماً في النهاية. حتى لو قبلنا بهذه الحقيقة فإننا لن  نجد مخرجاً من هذه الحال. الإدمان الملح هكذا يحصل لأسباب معينة و إلى أن يتم التعامل مع هذه الأسباب، لن يكون بالإمكان الهروب من الإدمان. في غياب الشفاء يخدم هذا الهوس غرضاً ضرورياً.

يعتقد بشكل عام أن الرجال مؤذيون و أنه لا يمكن الوثوق بهم، بالأخص بسبب رغباتهم الجنسية الخارجة عن السيطرة. لأن الجنس يأخذ شكلاً ملحاً  اندفاعياً خارجاً عن السيطرة، نحاول أن نكبته كله. لكن الكبت هو بالضبط ما لا يجب فعله. إذا كان الجنس هو أحد المجالات القليلة التي لا زال بإمكاننا أن نختبر الشعور من خلالها، أحد الطرق التي من خلالها يمكن أن نعلم أن هناك شخصاً آخر موجود بقربنا، أحد الطرق التي تمكننا من الشعور بفرح و نشوة السكن في هذا الجسد، فإن كبت هذا المجال و سده، أي الجنس، يقطع عنا واحداً من مصادر الحياة القليلة جداً و التي بقيت  متاحة لنا. كبت الجنس أو تحويله لممارسة مقبولة اجتماعياً .. كله يفعل ذات الشيء و هو قطعنا عن أحد مصادر الحياة القليلة الباقية. الكبت ليس الحل.. الكبت هو في الحقيقة أصل المشكلة، و المزيد من الكبت يخنق الحياة فينا أكثر. الشغف، و ليس الكبت، هو أهم وسيلة في كفاحنا لتحرير إنسانيتنا كاملة.  الرسالة التي أدركناها عن طريق إدراكنا لهوسنا الجنسي هي أننا نطوق للوصول إلى شيء نعلم أننا بحاجته بشدة.

الأسباب الحقيقية الموجودة وراء الهوس هي الشغف و الرغبة في التقارب.. فليكن هذا الشغف و هذه الرغبة مرشدينا، مع أنهما  هما ذاتهما أبقيانا منعزلين عندما اتبعناهما بدون وعي أو تأمل. عندما تقلب الهوس الجنسي من الداخل للخارج، ستجد أنه يحمل مفتاح تحررنا.

 

 

استعادة إنسانيتنا كاملة.

الرؤية التي أحملها لنفسي و لكل الرجال هي أن نستعيد كل جزء من إنسانيتنا . كل جزء تم حرماننا منه بسبب برمجتنا و تعاليمنا الاجتماعية أو غيرها. بالإمكان الشفاء من الهوس الجنسي عندما نستعيد كل مظاهر التجربة البشرية الضرورية التي تعلمنا مع الوقت أن نتدبر أمورنا من دونها: أي: إعجابنا و اهتمامنا ببعضنا البعض،  و الصلات المحبة التي يمكننا أن نشكلها مع الناس من كل الأعمار و كل الخلفيات و الأجناس، و الاستمتاع الحسي و الشعوري بأجسادنا، و التعبير الشغوف عن نفسنا، و الرغبة الأخاذة، و الحب الحنون لأنفسنا و لبعضنا البعض، و هشاشتنا الشعورية والعاطفية، و المساعدة التي يمكن الحصول عليها في الصعوبات التي نواجهها و الحصول على الراحة اللطيفة و التقارب من عدة أشخاص في عدة أنواع من العلاقات و البقاء على صلة معهم.

إذا كان الجنس أكثر من أي شيء آخر يشعرنا أننا أحياء أكثر أو أقل وحدة ، فإن هذه إشارة إلى أن نبض الحياة و التقارب مفقودين في كل جزء آخر من أجزاء حياتنا.  بسبب طبيعة الجرح الذكوري، فإن شفاءنا يتطلب أن نتقارب و نبقى قريبين من النساء و الرجال الآخرين ممن نختار كرفاق درب و إلى من نختار أن نكشف أنفسنا. يتطلب ذلك أن نعودإلى أجسادنا و أن نهتم بها و نرعاها بحق.

 يجب علينا الآن أن نستعيد كل من الأشخاص الآخرين و مشاعرنا وأجسادنا  لأننا أُبعدنا عنهم. يجب علينا أن نستعيد هذه الأشياء حتى نسترجع إنسانيتنا، و إننا بذلك ننهي اليأس و البحث الملح و النقص اللذين يبقونا في سجن الهوس.

 

دليل تعليمات للرجال الذين قرروا أن يستعيدوا كامل إنسانيتهم يحوي العناوين التالية.

 

استعد الحميمية:

ابدأ بتوجيه التقدير و الإعجاب الغير مشروط و المحب و الذي كنت تحتفظ به لمن تنجذب نحوه جنسياً، وجهه نحو كل أنواع البشر في كل أنواع العلاقات. انشئ عشر أنواع من العلاقات مع أشخاص لم تتخيل يوما أن يكونوا أعز أصدقاءك و أكثرهم دعماً لك. من هم الأشخاص في حياتك المستعدين لاستقبال ثقتك و هشاشة أحاسيسك المرهفة؟ اعطهم ثقتك و اطلب منهم أن يعطوك ثقتهم بالمثل.

لأنه لا يوجد حدود للتقارب المتاح مع شخص آخر، ما المخاوف التي عليك أن تواجهها لتقترب حتى أكثر؟ شارك هذه المخاوف مع أشخاص آخرين و اطلب المساعدة بدلاً من أن تحاول أن تتعامل مع مخاوفك بنفسك و لوحدك. اخبرالأشخاص الموجودين في حياتك عن حقيقة وضعك و ما تمر به على الصعيد النفسي، و اطلب مساعدتهم في إعادة التقارب و التواصل الحميمي إلى حياتك اليومية.

إذا اخترت أن يكون لديك شريك عاطفي، تذكر من فضلك أنه مهما كانت العلاقة قوية، شخص واحد لا يكفي أي شخص ليكون قريباً منه. طبيعتك هي أن ترغب التقارب مع كل الناس، التقارب الذي نادراً ما يكون له علاقة بالجنس. يبقى علينا أن نكتشف كيف سيكون الحال عندما يكون لدينا الكثير من التقارب المنتوع و الصلات العميقة الكثيرة في حياتنا.

 

استعد المشاعر:

 المشاعر الشغوفة التي احتفظت بها فقط للعلاقات الجنسية يمكن أن تضيء و تشعل كل نواح حياتك.. ما الذي يمكن أن يشعل فيك الشغف عدا الجنس؟ في حياتك، ما هي الأحلام و الرغبات التي سيكون عليك أن تعيد إشعالها و إضرام النار فيها لتحترق و تضيء في اختبارك لتجارب حياتك؟ اتخذ التحديات التي تجعل الاستيقاظ كل صباح مثيراً للحماسة، التحديات التي تملأك بإحساس العجب و الغموض و السحر.

وسع العلبة التي وضعت فيها تعريفك لنفسك. ابحث عن المشاعر المدفونه منذ زمن و حررها. ابكي بدموع مبلولة و اضحك من بطنك و بملء و أعلى صوتك. ارتجف من الخوف وكهكه من شعورك بالإحراج. اغضب كالعاصفة على الطرق الخبيثة التي أوصلتنا إلى أوجاعنا في هذه المجتمعات. انحب برقة كلما تذكرت و تأملت جمال وجودنا هذا. نحن بحاجة لبعضنا البعض لنشعر بهذه المشاعر المجيدة، فاطلب كل الحب و الانتباه و المساعدة التي أنت بحاجة لها. و اعلم أنك بحاجة لها. لا يمكننا أن نقوم بذلك وحدنا، و لم يكن علينا يوماً أن نفعل.

 

استعد جسدك:

المتعة الحسية هي حقنا منذ الولادة، و هي متوفرة لنا بآلاف الأشكال الأخرى عدا عن الجنس. اخلع نعليك و امشي حافياً على الحشيش، و في الطين و في المطر. تعلم أن تتنفس بحرية حتى يذكرك كل نفس أنك حي الآن في هذه اللحظة.

ارقص، جد الحركة داخلك و حررها، ,و تمتع بالنشوة التي هي ذاتك و كيانك. المس جسدك بكثرة و بحرية لتعيد ايقاظ الحس فيك. تذكر أن حركة عضلاتك موجودة لتعطيك تجارب تبتهج لها، اشعر بالغطاء يلمس جسمك فيما تستلقي على سريرك و تستعد للنوم، تمتع برشة الماء على وجهك، و حرك الشراب في فمك قبل أن تبتلعه لتتذوقه جيداً. فلتصبح واعياً للطعام الذي يدخل جسدك، ليس فقط بتذوق الطعم لكن انتبه إلى ما تشعر به في جسدك بعد أن يتم هضم الطعام بمدة طويلة.. طور هذه الدرجة من الإحساس بجسدك.

ما الذي سيتطلبه الأمر حتى تخفف من سرعتك بما فيه الكفاية لتلحظ كم أن المشاعر دائماً متوفرة و أنها تخاطب وعيك؟ عندما تعيد اكتشاف أحاسيسك الخمسة و مجال حركتك المبدع و اللا متناهي، و تلعب كما لو أنك كنت لا تزال صبي، أي عندما لم تكن بحاجة من يعلمك كيف تفعل ذلك. العب بقوة و برقة، و اخترع و ابدع في إيجاد الطرق اتي تبقيك على صلة حماسية مع كل من حولك.

 

من الهوس إلى الشغف:

 إذا كنا نتوقع أن يكون الجنس المصدر الرئيسي للتواصل و الشعور و المتعة و الحب،و إذا كان الجنس  هو صلتنا الأساسة بما يذكرنا بأن الحياة مثيرة و  غامضة و جميلة، فطبعاً سنصبح مهووسين بالجنس. لكن لحسن الحظ، يمكن إلغاء البرمجة المجتمعية التي فصلتنا عن كل هذه الأمور. كل صفة اقتطعناها منا يمكن أن نعيد اكتسابها.

الشغف الذي يركز بشدة و يضيق في مجال رؤياه على الجنس يمكن أن يقودنا  على الدرب إلى حياة مفتوحة على أفق واسع المدى مليئة بالشغف. يمكن للرغبة بالتقارب -و التي حسبنا أنها رغبة للجنس- يمكن لها أن تحفذنا على خلق التقارب في كل مكان. عندما نملأ حياتنا بالأشياء التي كنا في السابق نتوقع الحصول عليها فقط من الجنس، تصبح حياتنا أغنى، و حتى تجربتنا الجنسية تختلف كلياً.

نعم، عندما يتعلق الأمر بالجنس، من الممكن أن تكون مسترخياً كلياً  . عندما تطهر رغبتك الجنسية من  الإلحاح و الخوف و الوحدة  و الرغبة الطارئة المندفعة، عندها يمكن للجنس أن يكون مستوحىً من البهجة و المرح، و يمكن أن تكون العلاقات الجنسية صحية و طبيعية. عندما يكون الجنس أحد الخيارات المتاحة من بين الكثير من الخيارات الأخرى، من دون العجلة للحصول عليه و من دون ثمن تدفعه لعدم لجوءك له، يمكن عندها أن تكون مرتاحاً في الجنس و في تعبيرك الجنسي.

يمكن للجنس أن يكون احتفالاً فريداً و مميزاً ..  يمكن أن يكون احتفالاً بالحميمية و تعبيراً عن الحب، و مكاناً للشفاء، و وقتاً للعب بكل ما أوتينا من حياة و حماس أي كما كنا نلعب عندما كنا أطفال. يمكن للجنس أن يكون مكاناً نعبر فيه عن الشغف الذي حصدناه من العيش بحرية و رجفة و حب و مكاناً نبتهج فيه  لأجل النشوة  التي نستحقها كلنا. يمكن أن نفصل الجنس عن كل ما هو ليس جنس. يمكن أن نتوقف عن الاعتقاد بأن الجنس هو المصدر الوجيد  لكل شيء جميل.

 إننا نشق دربنا في الخروج من بلاد الهوس. على الطرف الآخر تنتظرنا حياة غنية ثرية مليئة  مكتنزة.. حياة لا يمكن لنا ببرمجتنا المجتمعية أن ندركها.. علينا أن نخطو إلى وراء هذه البرمجة، إلى حيث يتخذ الشغف  أشاكلاً جديدة كل يوم. كلنا متصلين بعمق لسنا وحيدين و لم نكن يوماً. ر}يا و مفهوم جديد ممكن للرجال، مفتوح بوسع منتظراً إيانا أن نكتشفه.

 

 

المؤلف:

ستيف بيرمان:steve bearman, phd

مؤسس معهد "الاستشارة التبادلية" في سان فرانسيسكو، ستيف مستشار و مدرس في مجال العدل الاجتماعي و مدير دورات و ورشات عمل. بالإضافة إلى تعليمه لبرنامج التدريب و الاستشارة التبادلي الذي مدته سنة،  هو أيضاً يقود ورشات عمل لبناء الجماعات و العلاقات  والتطبيقات الروحية، و التغلب على التوتر و البرمجة محدودة الجنس، و الشفاء من الخجل الجسدي و الموت و الحزن  .

http://www.elephantjournal.com/2013/10/why-men-are-so-obsessed-with-sex-steve-bearman/

>

>

>

>

 

..

.

.

 

 

 

..

.

.

.

.

.

 .

.

 

الصفحة الرئيسية

.

.

.