اليوم 4 تشرين أول 2014

مع كل انفجار أو قذيفة تسقط في دمشق، دعوى من الله لنا أن نستيقظ من سباتنا. إذا كنت لا تعيش اللحظة الحاضرة، إذا كان بالك لا يزال مشغولاً بأخبار الحارة و الجارة و البلد.

 هي تحذير رحيم محب من الله. أن استيقظ و لاحظ أين تضع تفكيرك و انتباهك في كل لحظة.. لماذا انتباهك ليس في هذه اللحظة الحاضرة؟ هدية من الله هي هذه اللحظة، فكيف تدعها تمر من دون أن تدخل كيانك و جسدك لتحدث نشوتك ؟ كيف لم تلاحظ الفراشة الملونة التي مرت.. ملكة بجناحين أخف من الريشة الواحدة.. كيف لم تدغدغ قلبك خفة ماهرة كهذه؟ رسمت مساراً في جسدك في كيانك.. لكن وهم العالم الثلاثي الأبعاد يجعلها تبدو و كأنها ترسم هذا المسار خارجك..

 دع القنبلة تنفجر داخلك.. اشعر بها داخلك و إلا جاءتك من الخارج لتوقظك.. ما هي الكراهية ما هو العمى؟ إنها قدرة على الحب الشديد.. كيف يمكن لنا أن نكره و ننقم على من عندهم قدرة هائلة كهذه على الحب؟ الجهل هو المدمر الوحيد.. و إذا رأيته فيك و رأيت كيف أنه يدمر حياتك أو يوقفها و يعطلها.. سوف لن تكون مهتماً بصرف كل هذا الوقت بالتفكير بأمريكا و أعوانها و لا بغيره من أوهام الدنيا. ما يهم هو هذا الاختبار الذي أعيشه اليوم.. اختبار تعلم استعمال هذه القدرة.. هذه القنبلة.. هذه القوة..

 

الجاهل لا يعرف إلا الدمار وسيلة.. كلنا جاهلين مدمرين.. لكن العارف باللحظة الحاضرة و بألوهية كل لحظة هو العارف الحقيقي.. إنه من عاش الحب كل لحظة.. من عاش القوة و الانفجار الداخلي و النشوة المتفجرة داخله.. فما حاجته لأي انفجار؟

 

لذلك دعونا نعرف إن كنا من أهل الجهل أو أهل العرفان و النور هنا و الآن.. إنها حقيقة تتغير كل لحظة. بإرادتك. في كل لحظة تعي فيها يصبح الكون و الانوار كلها ملكك لأنك تدرك أنها بداخلك.. داخلك هي الحقيقة الوحيدة و الأنوار كلها لك.. لم العجلة إذاً؟ لم الإحباط؟ إلى أين تذهب و ما الذي تفعله ؟ فكر.. غضبك أو إحباطك و خوفك سببه جهلك... جهلك بقوتك و نورك.. تماماً كما أن الدمار و القذائف التي تسقط على دمشق، سببها هو جهل هؤلاء بقوتهم و نورهم.. جهل تام أسود يجعلهم يمارسون الوضاعة و يجلسون فيه مقاماً..

 لكن جهلك و لو لم يكن بنفس الدرجة من السواد، هو جهل كبير أعمى.. خوفك من أن تبقى وحيداً. مع كل صوت انفجار أو اهتزاز تسمعه فقط تذكر: هل أنا حاضر؟ إذا حضرت تحضر معك كل الأكوان. هل أنا حاضر هنا والآن؟ أم أنني أفكر بانشغال منهك بتوافه أمور الدنيا الفانية؟هل يبقى عندي طاقة لكي أحب نفسي بعد كل هذا الإنشغال و التفكير ؟ و إذا لم أحب نفسي، كيف يمكن لما أقدمه للمجتمع أو للآخرين أن يكون صادقاً، كائناً ما كان.

أن أحب نفسي بالنسبة لي يعني أن أكون متوفرة لسحر هذه اللحظة. أن أكون حاضرة لدخوله إلى أعمق نقطة من كياني. أن أكون حاضرة لدخول أنوار الكون كلها و ظلماتها إلى قلبي و جسدي و كياني.. أليس هذا معنى كلمة "الحاضر"؟ أي الواعي.. إنها صفة و ليست زمن.. لأن الزمن وهم. لا يوجد إلا الحاضر. الداعي هو من يدعو هذه اللحظة كي تدخل قلبه.. هذا المعنى الحقيقي ل"الداعية". أن يدعو و يتذكر نفسه و يكون حاضراً.

 

أمشي في طريق باب شرقي.. من الجامع الأموي.. الذي ينطق بكل حجرة من أحجاره المنهكة من الزمن.. (و في الإنهاك سحر .. في التعب سحر.. إنه الاستسلام للزمن و الدخول في فناء الأزل.. نبض يحكي ألف حكاية).. منه إلى حارة الزيتون الرومنسية الرائعة بأنوارها الخافتة ليلاً.. كل حارة من حارات باب توما و القيمرية بأنوارها الخافتة ليلاً و شمسها المتخللة نهاراً.. و أشجارها المعلقة و المتدلية من فوق الأسطح.. كشعر امرأة مسترخية مستلقية.. كلها تفجر في قلبي و في جسدي ألف قنبلة.. و ألف لؤلؤة و ألماسة.. من عنده هكذا كنز داخله.. كيف يمكن أن يفكر بأخبار الناس و البلدان و الجيران؟

 

لكنني لو لم أرى الشام و حاراتها ما كنت رأيت شامي الداخلية. المسترخية المستلقية ذات الشعر المتدلي و الغموض الساكن قلبي. و في الصباح أمر من سوق الحرف اليديوية التقليدية.. ترى نحاتو النحاس منشغلين منكبين بشغف و حب عظيمين على عملهم.. تسمع أصوت المطارق على النحاس "تن تن تن".. و أعمال روائع النحاس الجميلة معلقة.. و محلات الخزف الملون المزخرف.. ثم تسمع صوت العاملين في الخشبيات يدقون و يحفرون على الخشب. و صوت الأطفال يصرخون و يشتمون.. صوت البائع.. كلها موسيقا لأذني.. موسيقا ليست من هذا العالم.

كل هذا السحر.. ما هذا؟ من أين يا الله؟ تبقى هذه الحيرة هي الشيء الوحيد الحقيقي.. سحر اللحظة. لا شيء آخر.. حتى و أنا في بيتي.. ما هذه الراحة، ما هذا الحب العظيم الذي يملأ هذه الجدران الأربعة؟؟ لقد تم تركيب هذه الجدران الأربعة بهذا الشكل خصوصاً لك أنت.. كي تستمتع بهذه الخصوصية و هذه الضمة الكونية.

 

 

      

 

 

الصفحة الرئيسية