قال لي الشجر و قال لي البحر...

 

 

عندما أكون في حديقة... أختار مكان محاط بالشجر لأجلس.. في يوم تهب فيه نسمات الريح اللطيفة في الصيف أجلس فقط لأستمع لصوت حفيف الشجر و أراقب كيف تتمايل الأغصان و الأوراق باستسلام و انسياب يمسح كل ما في داخلي...

لقد قال لي استسلام الشجر لموجات النسيم: "أنا الشجرة بكل شموخي و ثباتي و تأصل جذوري في الأرض أكثر استسلاماً منك، أنساب مع النسمة كما تنساب الأمواج و تتكسر على الشط لتختفي و تتحد في المحيط....

كيف لك أنت إذاً أن تقفي عائقاً أمام رياح عواطفك التي تهب و أن تقاوميها هكذا بتكبر؟

تغضبين و تحزنين من وحدتك ، أما أنا فوحيدة أقف هنا و وحيدة أواجه الريح و أتحد مع مشيئتها أتحد مع الريح و الشمس و المطر و الطفل و الفأس و السكين التي تحفر أسماء على جذعي.

كله جميل.. و كله أنا راضية به..  لا أشتكي فقط أنحني

ليس عندي لا إرادة و لا أي فكرة عن أي شيء.

لهذا أنا معطاءة و جميلة. لا أعطيك فقط الظل و الأزهار الصغيرة المتناثرة من فوقك كالمطر.. بل أعطيك الحياة. تدب الروح في عروقك بمجرد جلوسك قريبة مننا. ألا ترين لماذا؟ لأن في استسلامي قدرة هائلة على العطاء. تستمدين هذه القوة من الجلوس بقربي ليس لأنني قوية متماسكة بل لأنني هنا و الآن كما تشاء الطبيعة لي أن أكون برضا و سكون.. أميل مع كل موجة بكل استسلام لكنني متأصلة الجذور بكل سكون.

البحر قال لي الشيء نفسه. كنت أجلس على الشط أراقب تلاطم الأمواج و تكسرها على الصخور.. كتبت بعض الأسطر عن هذه المناجاة لصديقي فحسب أنني معجبة بحركة الموج لأنه هائج كالعواطف داخلي. فقال لي: "الموج جميل لكننا مثل سكون المحيط اللامتناهي بالعمق. محيط بلا قاع.  هناك ما هو أعلى و أسمى من الطاقة و الحركة"

سأبقى أتذكر كلماته الجميلة هذه التي لامست قلبي اللامتناهي في العمق. قلبي الخالي من أي قاع.. لكن ما أحبه في حركة الموج المنسابة المستسلمة و بتمايل الأغصان المتراقصة في الريح هو هذا الاستسلام التام المستكين. إنه استسلام و استكان يطرق قلبي بالمطرقة و يكسرني إلى أشلاء. قوة إلهام الطبيعة لي و أثرها أعمق من قدرة أي سيف على بعثرتي هكذا.. في كل الاتجاهات و الأبعاد.. من دون أن أذهب إلى أي اتجاه.

يقال أن الحياة نهر جاري متغير باستمرار كل لحظة.. لكن هذا التجدد هو بفضل تعمق جذورها، لو كانت شجرة. أما لو كانت الحياة بحراً فبفضل ظلمة أعماقها اللامتناهية التي لا يحدها أي قاع، كما قال لي صديقي.

أما ما كتبته عن البحر ذاك اليوم فها هو:

 

 

"لا يمكن ابداُ أن أمل من النظر إلى البحر و موجاته التي تتعالى كأطراف تنورة راقصة  ذات طبقات لا متناهية واحدة تلو الأخرى. و ارتطامها بالصخور و ارتطام الموجة المتكسرة الراجعة بالموجة القادمة نحو الشط..  تناغم عفوي بين موجات متفاوتة و مختلفة يصنع لحناً لا يمكن إلا للعاشق أن ينسط إليه.

و الزبد الذي يلد مع كل موجة  لما أجلس لأراقبه أتفاجأ أنه يلاعبني إذا قرر الموج أن يتعالى فجأة فيبلني، و إن كنت أضيع اللحظة الآنية بالتفكير و لو للحظة..فهذه طريقة الطبيعة في إيقاظي من سبات أفكاري في كل لحظة.

.

كذلك يفعل السنونو على الكورنيش لما يطير قريباً جداً من الأرض بسرعة لا تضاهيها سرعة أي طائر بهذا الحجم الصغير!! كالسهم يطير بشكل لولبي حلزوني.. فيخطف أنفاسي لما يمر بقربي."

جميلة هي الأساطير التي ترى أن إلهة الحب ولدت من زبد البحر..  البحر حقاً حي كل لحظة سواء بزبده الذي يغلي و يفور و يلد و يموت، أوبطبقاته المسكونة لحناً رغم السكونة

.

.

.

.

.

العودة للصفحة الرئيسية