ما علمتني اياه المياه عن حب الذات

 

أن تحب نفسك ليس فلسفة من فلسفات الحياة، أن تحب نفسك يعني أن تمارس هذا الحب و تطبقه كل يوم.

الباب الخلفي للدخول فيه:

كلنا نعلم في أعماقنا أن حب النفس شيء مهم. لكن عندما يقول لنا الناس "كل ما عليك أن تفعله هو أن تحب نفسك" يكون الأمر شبيهاً  بقولك لطفل في الحضانة أن عليه أن يحل مسألة فيزياء جامعية.

نجد أن حالنا تماماً كحال هذا الطفل المذهول، ليس عندنا أدنى فكرة عما يجب أن نفعله أو من أين نبدأ لأننا لا نحب نفسنا و لم نحبها منذ فترة طويلة.

يبدو أن هناك العديد من النظريات. الكثير من الكتّاب و "علماء" الروحانية الحديثة و الداعين إليها تكلموا عن حب الذات لكن أغلبهم لا يعلمون ماذا يعني ذلك. هم فقط يجنون المال بترديدهم لهكذا كلام. يمكنهم أن يحكوا لك طيلة النهار عن أهمية حبك لنفسك و عن الأسباب التي تجعلك محبوباُ و سيعددونها لك و يعطونك قائمة بها، لكن لم يعلّمك أحد منهم  كيف يمكن لحب الذات أن يكون على المستوى العملي.

 

عندما لا تنفع التوكيدات اللفظية:

 لم أنجح في تطبيق العديد من تقنيات المساعدة الذاتية النفسية . شعرت أنني أحاول أن أحفر القطب الشمالي بملعقة صغيرة. كانت التوكيدات اللفظية تجعلني أشعر بالسوء أكثر. كنت أجلس على طاولة المطبخ و أحاول أن أردد هذه الكلمات التي من المفترض أن تشفيني.. كنت أكتب جملة "أحب نفسي" مئة مرة محاولة أن أشعر بكل كلمة أكتبها. لكن أثناء كتابتي للكلمات شعرت أن عقلي يقول لي "أحقاً تعتقدين أنني بهذا الغباء؟"

 كنت أشعر أنني أكذب على نفسي مهما رددت هذه الكلمات و لو رددتها طيلة النهار.

بدا واضحاً بالنسبة لي أنني لم أحب نفسي منذ زمن طويل هذا إن كنت فعلاً في أحد الأيام أحببت نفسي.

لأنني تربيت في عائلة كانت تبجل و تقدس حب الغير و التضحية و الخدمة و تعطي هذه القيم الأولوية، شعرت أن مفهوم حب الذات مفهوم شرير. حب الذات بدا لي كالشرير الذي يريد أن يهدم و يقضي على أي  فرصة أو إمكانية لشخص آخر بأن يحبني.

أصدق مع نفسك و اعترف بحقيقة الوضع الذي أنت فيه:

شعرت أنني وصلت إلى أقصى حد من التحمل. فكرت أن الناس يشعرون هكذا عندما يكونون مثيرين للشفقة و مهدمين و لم يعد هناك ما يمكن أن يفعلوه. حصرت نفسي في الزاوية. كل محاولاتي السابقة التي بذلتها في سبيل شعوري بالرضا و السعادة فشلت. كانت هذه هي اللحظة التي اعترفت بها لنفسي أنني أكره نفسي، كما يعترف المدمن على الكحول أنه مدمن.

إن اعترافك بحالك الحقيقية يشعرك بالألم و بالارتياح معاً. ليس شيئاً مسلياً على الإطلاق أن تدرك أنك تعيش مع عدو داخلك، لكن بنفس الوقت يشعرك الإعتراف أنك أخيراً قبلت شيئاً كنت تقاومه لسنين عديدة. الطاقة التي بذلتها في مقاومة تعاستك أو حالك تستهلكك و تنهكك كلياً. إن اعترافك بحقيقة وضعك الحالي يشعرك بالارتياح تماماً كالارتياح الذي تشعر به عندما تسمح لجسدك أن يطفو على السطح فيما كنت كل هذه السنين تسبح عكس التيار في نهر جاري بسرعة هائلة.

 كوب الماء: اشرب في حبك لنفسك

لأنني حساسة جداً، أقدر بالفعل أن أشاهد تأثير الأفكار على الأشياء و تأثير تردد شيء ما على شيء آخر. يمكنني حرفياً أن أرى كيف أن أفكاراً معينة مثل "لن أصبح شخصاً صالحاً كفاية يوماً" تذهب مباشرة إلى منطقة المعدة حيث تقبع و تخلق ظروف مرضية كالتهاب المعدة و القرحة . الخط الذي يفصل بين الأفكار و الواقع أو بين المادي و اللامادي غير موجود بالنسبة لي. لكنني مع ذلك و بسبب شعوري بكرهي لنفسي في تلك الظروف، كنت قد تجاهلت فرصة رائعة متاحة.

في أحد الليالي قررت أن أذهب إلى المكتبة العمومية لأجلب بعض الأفلام. لطالما أحببت الأفلام الوثائقية، و ذاك اليوم رأيت عنوان فلم انجذبت له. العنوان كان "الماء: السر الأعظم". تكلموا في الفلم عن فكرة "تشكيل الماء" .. يوضح الوثائقي ما لاحظته على الدوام، و هو أن كل ما يحيط بالماء يؤثر بالماء، و أن جسمك، لأنه مكون معظمه من ماء، يعمل بنفس الطريقة. في الوثائقي أخذوا الماء الذي شكلته نوايا معينة،و سكبوه في المحيط حتى يؤثر بماء المحيط بشكل إيجابي.

أوقفت الفلم لبضع لحظات و ركضت في أنحاء المنزل أبحث عن قلم و ورقة. لم أكن أصدق أنني نسيت شيئاً بديهياً كهذا. علمت أن لم يكن بإمكاني أن أركز على نفسي بشكل إيجابي لأحب نفسي، لكن كان بإمكاني أن أركز بإيجابية على شيء آخر. مجرد التفكير بإيجاد أشياء أحبها في نفسي كان يسبب لي غثياناً في معدتي. لكن كان بإمكاني أن أنظر إلى ابني و أن أجد بليون شيء أحبه فيه.

بدا منطقياُ إذاً أن آخذ كوباً من الماء و أن أفكر بكل ما أحبه في ابني و أن أوجه هذه المشاعر التي تفجر قلبي و هذا التركيز الإيجابي الذي أشعر به تجاهه إلى الماء. ثم سأشرب هذا الماء. شعرت أنني اكتشفت طريقة سرية فعالة مثل قائد الحرب الذي فكر لتوه لأول مرة بفكرة "حصان حب الذات الطروادي!" أدركت أن بإمكاني  أن أعيد تشكيل جزيئات الماء في جسمي التي كانت قد تشفرت و تبرمجت على كره الذات ببساطة بأن أغمر هذه الجزيئات بالذبذبات الموجودة بالماء الذي شكلته و ملأته بالحب. لم أكن متأكدة من ردة الفعل التي ستحصل لجسمي أو لنفسيتي، لذلك كنت خائفة من أن أجرب هذا في الليل. لكن في اليوم التالي، أثناء قيلولة ابني في الظهيرة، أتتني الشجاعة لأقوم بهذه التجربة.

 

ردة فعل غير متوقعة:

دارت حرباً داخلي و شعرت أن أفكاري تمزقني في اتجاهتين  عندما كنت أسكب الماء و أبدأ بالتركيز على كل الأشياء التي أحبها في ابني. عندما رن جرس الساعة الموقتة بعد خمس دقائق، رفعت الكوب إلى شفتاي، و شربته كمن يشرب الدواء، بأقسى سرعة ممكنة. توقعت أن أشعر بمشاعر إيجابية جميلة على الفور، كأن أشعر بالخفة و المرح يملآني من الداخل. لكن يا أماه! كم كنت مخطئة! بدأت أرجف مباشرةً. شعرت بالغثيان بمعدتي و كل جسمي أصبح أحمراً، و بدلاً من أن أستفرغ، بدأت أنتحب و أبكي بشدة. بدأ جسمي بتنظيف نفسه من الأسى الذي كنت قد كبتته داخلي لسنوات. شعرت حرفياً أنني تنظفت. تسطحت على أرض المطبخ بوضعية الجنين و أنا أبكي ل20 دقيقة كاملة. فيما بدأ بكائي يهدأ، شعرت بشعور غامر من الراحة. شعرت أن  جذوري امتدت في الأرض. شعرت بثبات .

ثم خرجت أتمشى و أدركت أنني كنت أشعر بالقليل من السلام الداخلي لأول مرة منذ سنوات. لم أشعر بالغبطة أو النشوة، لكني كذلك لم أكن يائسة أبحث عن مخرج لأهرب من نفسي بأي طريقة. لذا قررت أن أستمر بتجربتي الصغيرة هذه و أن أقوم بها كل يوم لمدة شهر في نفس الوقت كل يوم. أول أسبوع اختبرت نفس ردة الفعل. شرب الماء كان كالتفاعل الكيميائي،حيث أنني في كل مرة كنت أشعر أن طاقتان متنافرتان بعدائية تتحاربان داخل جسدي. بعد أول أسبوع، ردة الفعل هذه خفت شيئاً فشيئاً. كنت أتأقلم على ذبذبات تردد الحب التي لم تكن مألوفة بالنسبة لي.
ثم أشياء مضحكة بدأت تحصل. تغيرات خارجية بدأت تحصل. صرت أحكي عن مذاق طبخي اللذيذ لصديقي، و هو شيئ ما كان بالإمكان أن يحصل دون أن يرميني في دوامة كره الذات و مشاعر الذنب قبل ذلك. لكن هذه المرة لم يكن هذا قد أشعرني أنني أقوم بأي شيء خاطئ. جربت التوكيدات اللفظية فوجدت لأول مرة أنها ليست صعبة التصديق بالنسبة لي كما كانت في السابق. صار بإمكاني أن أقول: "أحب لون بشرتي" و أن أعني   ذلك فعلاً. الصوت الغاضب في خلفية فكري الذي كان يقول أشياء مثل "أنتي صعبة الطبع و لن يحبك أحد" أو "و هل حقاً تحسبين نفسك أهل للكلام عن ذلك؟" أو "جميل ما فعلتي يا حمقاء". بدأ هذا الصوت بالاختفاء. و توتري و قلقي بدأ يتناقص.

 دخلت من الباب الخلفي بهذه الطريقة الغير مباشرة في التعامل مع كرهي لنفسي و كل تقنيات حب الذات الأخرى بدت سهلة التطبيق أكثر فأكثر بعد ذلك بالنسبة لي. لقد هدمت الجدران الثقيلة التي كانت مصممة لتبقي الحب خارج حياتي بطريقة شرب الماء هذه، فوجدت أن صار بإمكاني أن أتخذ الباب الأمامي للدخول في حب الذات. وضعت  لنفسي مهمة إيجاد كل مكون من المكونات اللازمة لتصميم الوصفة المثالية لخلق حبي لذاتي .

 

حب حياتك الحقيقي:

لا يمكنك أن تشفي الألم بأن تكره نفسك، لا يمكنك أن تشفي نفسك إلا بأن تحب نفسك.

كره الذات كالرمال المتحركة: عندما تبذل جهداً، ستغوص أعمق فأعمق فيها حتى لا يعود بإمكانك أن تنفس. حب الذات ليس إذاً غاية يجب أن نبذل الجهد لنصل إليها، بل هو ببساطة حالة من حالات كيانك يمكنك أن تختار أن تكون فيها كل لحظة. يجب علينا فقط أن ندعها تحصل لنا. أن نسمح لها بالاستحواذ علينا ..

كل لحظة تتقدم فيها إلى الأمام خطوة هي لحظة جديدة، و أنت شخص جديد كل لحظة. كن لطيفاً مع نفسك. أنت قطعة ثمينة من هذا العالم. لا يمكن لهذا العالم أن يكتمل من دونك، و أنت لست ثميناً بفضل ما تفعله، بل أنت ثميناً لأنك موجود في هذا الوجود. أنت لا تقدر بأي ثمن. لا تعلم ذلك بعد، لكن سيأتي وقت تدرك فيه أنك بالفعل حب حياتك.

 

 

اسم المقال الأصلي: what water taught me about self-love.

كاتبة هذا المقال هي تيل سوان، هربت و نجت بأعجوبة من استعباد عصابة مغتصبيها في طفولتها، و قبل ذلك في كنف عائلتها كانت تعتبر مريضة  نفسياً بسبب حساسيتها و تصرفاتها التي لم يكن المجتمع يفهمها.. لكنها اليوم تعطي دورات في شفاء النفس على كل المستويات و هي فنانة ترسم حسب الهندسة المقدسة أشكال تحاكي ترتيب جزيئات الحياة و شاعرة و كاتبة.

لمعرفة المزيد عنها يمكن زيارة موقعها:  

http://tealswan.com/

قصتها:

http://tealswan.com/biography

,

,

,

العودة للصفحة الرئيسية