اللمس و الروائح و التجارب الحسية:

 

من تجربتي مع طفل عمره سنتين و نصف أنني أخذته في نزهة فوصلنا إلى ملعب كبير حوله ما يشبه مضمار السباق أو الركض.. و كانت الأرض مفروشة بالرمل الأحمر الرطب فأخذ ينظر إليها بفضول لبرهة.. ثم تحسسها بقدميه بالدوس عليها. ثم وضع يديه على الأرض و أخذ "يفرك" الأرض حتى وصل إلى الطبقات العميقة الرطبة.. ثم أخذ كمشتان من الرمل ملأ بهما يديه الصغيرتين و مشى و هو يمد ذراعيه نحوي أي أنه يريدني أن آخذ الرملات منه كي أشاركه هذه التجربة الحسية.. قرأت المقطع الآتي من كتاب aroma and touch : sensuous ways with massage and aromatherapy

إليكم المقطع مترجماً من الانكليزية:

"عندما نفقد اتصالنا بحواسنا، نصبح آلات... أو أكثر بقليل من مجرد آلات. نركض من العمل إلى المنزل و من المنزل للعمل، و تستحوذ الواجبات و المشاكل على عقولنا.  ننسى أجسادنا   و نفقد وعينا الحسي و إدراكنا الشعوري. ما أصفه هو حال لا يرغب أحد أن يكون فيه إلا أن الحقيقة هي أن أغلبنا يعيش هذا الحال كل يوم من حياته.

.نحن كائنات حسية بطبيعتنا منذ الولادة. يعيش الأطفال الصغار في أجسادهم، واعيين تماماً لكل إحساس جديد و كل اختبار جديد يمرون به في هذا العالم.. دع عقلك يعود بك إلى طفولتك. ما الذي يأتي إلى ذاكرتك؟ على الأغلب روائح و أحاسيس فيزيائية. عادة هذه الذكريات هي أكثر ما يبقى حياً  في ذاكرتنا من ذلك الوقت الذي لم نكن نكافح فيه مع ضغوطات الحياة.

هل رأيت يوماً جرح على يدك، جرح لم تدر من أين أتى؟ الجروح مؤلمة، لكنك كنت مشغولاً فلم تنتبه للألم و لا لما حصل ليدك. مثلما أنك لم تلحظ ألم جرحك، على الأغلب أنك لا تعي ملمس القماش على جلدك، و لا رائحة الزهور في الحديقة العامة التي تمشي فيها كل يوم، أو رائحة ابر الصنوبر و هي  تتكسر تحت قدميك.

سواء كنت مدركاً للروائح المحيطة بك و تعي وجودها في حياتك يومياُ أم لا، حاسة الشم حاسة مهمة علينا أن نطورها و أن "نستمع إليها". نستقبل الروائح بشكل لاواعي طوال الوقت. هذه الروائح الsubliminal أي الخفية أو التي تدخل إلى ما دون الوعي هي السبب في أننا نشعر بعدم الراحة في مكان ما أو بالراحة فيه. إنها السبب في أننا نحب أو لا نحب  أحدهم.. كما أنها مسؤولة بشكل رئيسي عن اختيار من نقع في حبهم.

لكل شخص رائحة تميزه مثل طبعة بصمة الاصبع. في الأحوال العادية لا نكون عادةً واعيين لرائحة الشخص إلا إذا كنا على مقربة جسدية و حميمية منه. –مع أننا أحياناً نشتم رائحة جسد الشخص الآخر بشكل مبالغ به إذا كان قد مارس التمرينات الرياضية لتوه-. كثيراً ما نعتقد أننا نظلم أحدهم عندما لا يروقنا شخص رأيناه لتونا،  لذلك نحاول أن نبذل مجهوداً لنحبه. لكن الحقيقة هي أنه من الممكن جداً أن تكون غرائزنا هي التي تنبهنا في هذه الحال إلى أن هناك سبب وجيه يجعلنا نشعر بعدم التعاطف مع هذا الشخص أو ذاك.. السبب يمكن أن يكون مجرد تنافر بالشخصيات و الطباع و لا يعني بالضرورة أن الآخر شخص سيء.

إن العلاقة بين الشم و العواطف قوية جداً. يعود ذلك إلى حقيقة أن الروائح تحفذ الخلايا العصبية نفسها التي يستخدمها المركز العاطفي في الدماغ. أغلبنا اختبر شعوراً من هذا النوع.. مثلاً كنت تمشي في شارع معين فأدركت وجود رائحة جلبت معها ذكرى حية من الماضي.

عندما يلتقي الأطفال، يحدقون ببعضهم لبرهة ثم يبدؤون باللعب مستخدمين الكثير من التواصل الجسدي. أما الكبار عندما يلتقون –و حتى عندما يكونون على معرفة وثيقة ببعضهم البعض- نادراً ما يتلامسون. بل يعتمدون بدلاً من ذلك على أعضاء جسدهم للكلام و الرؤية و السمع. هذه الحواس هي ما يعتمد عليه فكرنا the intellect ، ليس من المفاجئ إذاً أننا كلما طورنا قدراتنا الذهنية و الفكرية أكثرمع التقدم بالعمر كلما بدأنا ننسى أكثر فأكثر كيف نشم الأزهار في الحديقة.. لا نعود حتى نلاحظ أن الريح تلامس وجهنا.

يمكن لحاستي اللمس و الشم أن يكون لهما أثرعميق جداً على نوعية حياتنا إذا قررنا أن نعيد إيقاظهما من جديد. يمكن أن تكونا مصدر متعة كبيرة. إذا كان بإمكانك أن توقظ في نفسك قدرة الطفل على اختبار كل إحساس و كل شعور، ستجد أنك تعيش في اللحظة الحاضرة، تاركاً الماضي ورائك، و معطياً الإذن للمستقبل بالتكفل بنفسه. "

يذكرني هذا المقال بمقولة "إن لم تعودوا كالأطفال.."

العودة للصفحة الرئيسية