الجسد و الصحة

 

تكلمت في مقال سابق (التخاطب الفكري) عن حقيقة "الرمز" و التعلق بالرموز . تشير بعض الأديان إلى هذا الميل عند البشر الذي يدفعهم إلى تأليه الرمز فتسميه "إغراء" أو "خطيئة" يقعون فيها.. لكن يخطئ الناس باعتقادهم أن المشكلة توجد في الرمز نفسه بدلاً من أن يدركوا أن المشكلة هي في موقفنا من الرمز و نظرتنا له. و لأن الجسد هو "الرمز" أو "الصورة" و "الإناء" أصبحنا ندين الجسد و نخجل منه بشكل واعي أو غير واعي.

كنت مرة أقضي اليوم بطوله في منزل رفيقتي و كنت أجالس ابنها الصغير ذو السنتين. أردت أن أستحم فأراد أن يستحم هو أيضاً و طلب أن يدخل الحمام معي. عندما خلع ثيابه قال لي و هو يشير إلى حلمتي صدره: "انظري! هدول بزازي". (باللهجة السورية "هذه أثدائي"). كنت قد قرأت مقالات تتحدث عن براءة الأطفال و لكنني كنت الآن أشاهدها بعيني. لا يأبه الطفل إلى ما تفعله سواء تعريت أو لمست جسدك أو غطيته بألف قطعة قماش كما شئت. كله سيان بالنسبة له.. سيكون مشغولاً بما يفعله أو يشعره هو و لن تهمه هذه التفاصيل على الإطلاق! بعد قليل أراد ابن صديقتي هذا أن يزيل هو الصابون عن جسمي بالماء فلاحظته يقوم بهذا الفعل بتعبير خالصعن الحب .. تعبير نقي و بريء جداً.. هذه البراءة يجب أن تكون في نظرتنا نحن لبعضنا كإخوة في الإنسانية!  "إن لم تعودوا كالأطفال.."

الحقيقة تقال، أنا أجالس ابن صديقتي هذه كثيراً و لكنني لم أشعر يوماً أنني أمه و لا مربيته و لا جليسته.. لم أشعر إلا أنني مرشدته و ملاكه الحارس.. اخته الأكبر منه و التي ترشد أفعاله بحب و بحزم أحياناً. الأطفال ليسوا أبداً أقل ذكاءً منا. لكن ذكائهم ليس مسيراً في وجهة محددة بعد كما ذكاءنا.. هذا هو الفرق الوحيد.

أما و من خلال دراستي للطب الصيني أدركت أن جسمي له ذكاؤه الخاص و أنه يعمل بطريقة ملؤها الإخلاص.. لكنني إذا لم أساعده لن يتمكن من مساعدتي كثيراً.

في الطب الصيني كل عضو له طباع معينة تختلف عن طباع العضو الآخر. طباع كل عضو يحدد حركته و دوره في عملية تفاعله مع العوامل الخارجية و مع هضم ما يدخل إليه من طعام و هواء و ماء. إذا تأملت في كيفية عمل أعضاء جسدك مع بعضهم البعض و كيفية تفاعلهم سوف تتعجب من العفوية التي تحدث نظاماً متكاملاً يعمل باجتهاد على إعادة الصحة و التوازن.

كما أن طباع كل عضو و مصيره متعلق بطباعك أنت و كيفية تحكم طباعك بمشاعرك طبعاً. سأعطي مثالاً.  الكليتان مسؤولتان عن موازنة مشاعر الخوف و القدرة الجنسية. المعدة مسؤولة عن مشاعر القلق و الكبد عن مشاعر الغضب و القلب عن مشاعر الفرح و الرئتان عن مشاعر الحزن. إذا كنت ممن يتحمس كثيراً أو ممن يكثر من الضحك على عيوب الآخرين سيكون عمل قلبك مسيطر على باقي الأعضاء و سيعيق ذلك عمل القلب نفسه أو عمل باقي الأعضاء بطريقة أو بأخرى. في حالتي أنا كانت مشاعر القلق تسير أفكاري و تسيطر على طبعي لذلك كان عمل كليتاي ضعيف لأن القلق يتغذى على الخوف (يأخذ الخوف كعذر و تبرير) و الخوف أو الكليتان إذا لم يعالجا بالشكل الصحيح سيمتد الخلل إلى أعضاء أخرى. ما يسميه الطب الغربي ب"مرض السكري" أو "الرشح" أو "الروماتيزم" هي مجرد أعراض لضعف عمل الأعضاء. إذا لم يتم تقوية طاقة الأعضاء نفسها و معالجتها سيظهر العرض بشكل آخر. الطب الصيني يعمل على علاج المشكلة من جذورها آخذاً بعين الاعتبار أشكال التفاعلات التي تحصل بين أعضاء الجسد و عناصره.  أما الطب الغربي فيعامل الجسد كآلة أو كشيء جامد و الأدوية التي يتعاطاها المرضى لا تحل المشكلة بل تقمعها بشكل مؤقت حتى تظهر في مكان آخر لاحقاً في حياة الإنسان.

الإنسان يبرمج نفسه على المرض منذ الطفولة لأنه يتلقى النقد دائماً من أهله إلا في حالات المرض و الضعف.. يصبح حب الأبوين عندها غير مشروط.. لذلك العقل يحاول إعادة خلق الظروف التي تمكنه من استقبال هذا النوع من الحب لأنه أصلاً تبرمج أيضاً على ألا يثق بحب الآخرين له و على ألا يدع المجال للآخرين بالتأثير فيه. لكن الحب الحقيقي لن يحصل إلا إذا سمحت لنفسك أن تكون ضعيفاً بإرادتك لأن الضعف يعني السماح للآخر بالدخول إلى قلبك. الحب يعني أن تصبح أكثر عرضة للتأثر بالمشاعر.. السلبية منها و الإيجابية.. من دون المشاعر السلبية لن نتوقف للحظات من الصمت و التأمل و من دون المشاعر الإيجابية لن نتقدم إلى الأمام في مسيرتنا

 

 

العودة للصفحة الرئيسية