الطفل الذي أعطى درساُ للجميع  عن المشاركة

 

 

أحد الفرص التي سنحت لي كانت مجالسة طفلين أبويهما يعملان في وظيفتان  "مرموقتان" جداً في أمريكا.  قال لي أنه يريدني أن أجالس أولاده لأنه قرأ مقالاتي و يعلم أنني الشخص المناسب للعمل. تشوقت للأمر و حسبت أنه يقدّر الأرواح المتمردة لذا سيعطيني حرية في العمل أو ثقة. الأم كانت قد أنجبت منذ أيام أو أسابيع لذلك كانت تبقى في البيت و تقول لي ما يجب أن أفعله مع الأطفال. ما لاحظته هو أنه حتى بالنسبة للأب الذي كان ذاك اليوم أيضاً في البيت، أهم شيء بالنسبة له هو التزام أولاده ببرنامج محدد من الواجبات خلال النهار . و كأن الغرض من الحياة هو إنجاز الأعمال. أنا أرى أن الغرض هو أن يكون في قلبك رغبة صادقة لإنجاز ما تنجزه مهما كان صغيراً

طفليه كانا فتاة بعمر السنتان و  طفل بعمر الأربع سنوات.

لما جاء وقت اللعب في الحديقة العامة (حسب برنامجه الصارم) حذرني قبل أن أذهب ألا أجلس في المنطقة الرملية المخصصة للعب الأطفال لأكثر من عشرة دقائق لأن ابنه يبدأ بعد ذلك برمي الرمل على وجه أخته فيدخل الرمل في عينيها. قال لي أن ذلك يحصل كل مرة إذا لم أجرَ ابنه خارج المنطقة الرملية بعد عشرة دقائق. قلت له أوكيه و لكنني كنت أعلم أن لن يكون بإمكاني فعل ذلك. لم أكن أدري ما البديل الذي يمكن عمله لكن وثقت أن فطرتي ستملي علي ما يجب فعله كل لحظة بلحظتها.

لما وصلنا بالفعل بعد فترة عشر دقائق حصل شيء لكن ليس ما قاله أبوه. بعد عشر دقائق نهض و قام لاستكشاف ما حوله. ذهب إلى الأطفال الذين يلعبون بالشاحنات  و الادوات الأخرى و أراد أن يلعب بألعابهم. قال له الطفل الآخر أنه لا يريده أن يعطيه ألعابه و حصلت "مناوشات" و "نقاشات حادة  بالأيدي تارة و بإعلاء الصوت تارة أخرى" بينهما. لم أشعر أن من حقي أن اتدخل لأن ما كان يحصل ليس فيه أي شيء خاطئ. لم يوقع أي طفل منهما الآخر أرضاً حتى!..

 يريد ماتياس (الطفل الذي أجالسه) أن يتفاعل مع الأولاد الباقين و أن يستكشف ما عندهم. أليس هذا شيء طبيعي؟ التفاعل له عدة أشكال و كلها مقبولة . إذا لم نعطي الحق بذلك للطفل، فما الحق الذي يمكن أن نعطيه اياه. الطفل الآخر أيضاً كان له حق التعبير عن نفسه بحده حيث أنه قال لماتياس : "لا!" بأعلى صوت و قالها أكثر من مرة بعد كل محاولة من ماتياس بالتقرب. كان ماتياس مرة يفهم أن ليس بإمكانه الاقتراب فيذهب بعيداً و تارة أخرى يعود و يضرب الولد ضربة (فقط للتعبير عن الاستياء من تمنعه و ليس ليؤذيه.. نعم إنهم رحيمين بالفطرة و لا يؤذون بعضهم إلا إذا تم كبت فطرتهم التي تعبر عن نفسها ببعض من العنف المحب أحياناً)...

تارة كان يترك الولد و شأنه و تارة يلحق به أينما ذهب و تارة يلعب باللعبة بعد أخذها عنوة بالقليل من الشدّ (أو بالسرقة) و تارة يترك اللعبة و يذهب ليتفاعل مع شخص آخر.

كانت طبيعة الطفل الآخر أنه "مسالم" بعض الشيء لذلك كان يهرب ليشتكي عند أمه.

(ذاك الطفل المسالم بعض الشيء أمه يمكن أن تحوله إلى متخاذل جبان كما بدا لي.. بدل صانعي السلام نخلق المتخاذلين و بدل القائد الرحيم القوي نخلق رجال حرب)

لم أتدخل إذاً لأنني علمت أنهم سيسوون أمورهم لوحدهم. سيتعلم ذاك الطفل أن يكون "قد حاله" و سيتعلمان كلاهما التفاعل الحقيقي الصادق و تدبر أمورهم في الحياة لوحدهم في المستقبل.

للأسف أن مجتمعاتنا الحديثة و بالذات المجتمعات التي "تحضرت" للأسف أنهم لم يعوّدوا أطفالهم على المشاركة التي هي شيء طبيعي و فطري يتربى عليه أهل القرى أو البداوى أو أي شخص  يعيش ببساطة الفطرة. لكن في مجتمعاتنا الحديثة "المتطورة" ما عدد هؤلاء؟ بخاصة في الغرب..  للأسف.. هذه مشكلة في الغرب منتشرة أكثر.. تعليم الطفل على الأنانية من خلال تقديس قيمة الملكية الشخصية بشكل مبالغ به. و كثرة الألعاب بدلاُ من أن يصنع هو لعبته ... يتربى على فكرة "هذا لك و هذا لي." هكذا عاملهم الأهل..

علي أن أذكر هنا أنني رأيت هذه المعاملة بعيني. حصل أن جالست ولد عمره سنتين أيضاً في دولة غربية و كان يعيش مع أبوه وحدهماو في حديث لي مع أبوه عن أنه يقسو على ابنه بشكل مبالغ به.. فقط لأنه يغير أماكن الأشياء ..أو لأنه يلمس الشاشة إلخ.  قال لي وقتها "هكذا أنا، أنا أيضاً طفل صغير و لا أحب أن يلمس أحد أشيائي"

 

أسلوب الحياة المادي العقيم القائم على الاستهلاك و الفارغ من أي معنى للعلاقات.. لم أحب العيش فيه أبداً. كما قال أوشو أن هناك فرق كبير بين الغرب و الشرق و علينا أن نسد هذا الفراغ الشاسع. لكن اليوم مع استمرار وجود هذا الفراغ إذا كان عندي الخيار بين الغرب و الشرق أختار  عبق و بساطة أسلوب الحياة في الشرق.

  بالعودة لقصة ماتياس و أخته.

الذي حصل بعد فترة قصيرة هو أن ماتياس خلق نوع من الأخذ و العطاء بين مجموعات الأطفال كلها في الحديقة. صار الأولاد الباقون أيضاُ يأخذون ألعابه و ألعاب الأطفال الآخرين و يتشاركون بها. حصل الكثير من التفاعل و الحركة فجأة! فجأة دبت الحياة في الحديقة.. و الجميل في الموضوع هو أن اللعبة لم تكن تبقى لفترة طويلة لا بيد ماتياس و لا بيد أي طفل آخر. حتى ماتياس أعطى لعبته للكل فوراً بلا أي تردد.

 لكن بقي طفل واحد، الطفل الذي بدأ ماتياس بالتناوش معه.. على الرغم من أنه لم يقدر إلا أن يستسلم لهذا التيار الذي خلقه ماتياس لدرجة ما، لكنه بقي يتمنع و يهرب بأشياءه إلى أمه . كانت أمه تجلس مع أشخاص آخرين على طاولة و كان ماتياس احياناً يقف بالقرب من الطفل الذي يقف قرب أمه  حاملاً و حامياُ لعبته يشكي لها حاله.

 

 لم أشعر أنني أريد أن أقول له أن يكف عن أي من ذلك.. شعرت أن ما يحصل صحيح جداُ فهذان الطفلان يعلمان بعضهما دروساً مهمة.. لم أشعر أن ماتياس يقوم بأي شيء مؤذ أو خاطئ فلم أتدخل. هو حر أن يقف أينما أراد و الأهل إذا لم يريدوه واقفاً جنبهم يمكنهم أن يطردوه بعيداً. لا خوف عليه و لا على الأهل من شيء

بعد فترة جاءت إلي الأم التي قال لها ابنها أنه يريد لعبته التي أخذها ماتياس. كنت أجلس على الرمل بالقرب  من أخت ماتياس .

جاءت إلي تطلب مني أن آخذ اللعبة من يد ماتياس و أن أعطيها لطفلها. قلت للولد مرة واحدة فقط أن هذا الطفل يريد أن يلعب بعلبته فهل ممكن أن تعطيه لعبته يا ماتياس؟ لكن لم ألقى رداً فاستدرت نحو الأم و قلت لها: "يمكنك إذا أردت أن تأخذيها منه بالقوة الآن.  أنا لن أفعل ذلك."

قالت لي "لا أنا لن أفعل ذلك لكن عليك أنتي أن تفعلي ذلك" فقلت لها "لا أنا لا يمكنني أن أفعل هذا من أجل قطعة من البلاستيك. لكنني أقول لك أنني أعطيكي الآن الإذن الكامل لفعل ذلك بنفسك إذا أردت. فقط لا تطلبي ذلك مني."

بقيت جالسة حنبي فبدأت أقول لها أن المشاركة شيء طبيعي و كان الناس من زمان يتشاركون كل شيء في القرية الواحدة. قالت لي "لا يهمني ذلك فاليوم الزمان تغير" قلت لها أنه لم يتغير للأفضل فالتلوث في كل مكان سماءنا و طقسنا ملوث طعامنا و أفكارنا و كل شيء ملوث و الأمراض  و التشوهات تزيد بشكل مرعب. قلت لها أن العالم اليوم بحاجة لتغيير جذري في كل شيء و أهم شيء هو تغيير مفاهيمنا. علينا أن نتدخل أقل بأبناءنا و بتصرفاتهم فهم يعرفون كيف يتفاهمون مع بعضهم و بهذه الطريقة يتعلمون من بعضهم بشكل تلقائي..

 قالت لي: "يعني هل تعتقدين أن الطريقة الصحيحة هي أن تتفرجي من بعيد و تدعي ابنك يفعل ما يريد دون تدخل؟" قلت لها طبعاُ أتدخل عند الضرورة.. لكن لماذا تريدينني أن أتدخل في هذه الحال؟؟ من أجل قطعة بلاستيك يريدها ابنك؟ "

بقيت جالسة على الحافة بالقرب مني و من ابنها.. ما أذهلني أكثر من أي شيء آخر  هو أنه عندما حان وقت الرحيل  لحق ماتياس بي لما رآني أذهب و أنا أحمل أخته من دون أن يأخذ اللعبة معه! مع أنني كنت بعيدة عنه أمتار كثيرة و  مع أنني لم أعطه تعليمات لفعل أي شيء سوى أن يلحق بي لكنه ترك اللعبة التي لم تكن ملكه بالقرب من الطفل الذي كان يتناوش معه طوال الوقت و أخذ لعبته الملقاة على الأرض و لحق بي... يا جماعة هل هذا هو الطفل الذي حكا لي عنه أبوه؟

شكا لي أبوه عنه الكثير من الأمور لكنني لم أرى أن المشكلة في الطفل على الإطلاق بل المكشلة في ردات فعل الأب المبالغ بها. الأب هو الذي كان يصنع كل تلك المشاكل من رمي الرمل في العيون و غيرها الكثير!

 أخته لها طبع مختلف لكن حتى معها حصل شيء طريف في الحديقة: اقتربت منها طفلة بعمرها صينية و أرادت أن تقبلها و أن  تضمها بعد أن قضت وقتاً تنظر إليها مجرد نظرات مليئة بالحب.. لما اقتربت أول مرة أبعدتها الطفلة عنها و بدى على وجهها ملامح الاستعجاب و  القرف. كانت تعابير وجهها مضحكة.. لكنني قبلت الطفلة الآسيوية  و ضممتها و قلت أن هذه الطفلة تريد فقط أن تضمها و تقبلها كما فعلت أنا لتوي فلما حاولت الفتاة من تلقاء نفسها أن تضم الطفلة مرة أخرى سمحت لها  .. و ضمتها الفتاة أكثر من مرة من دون أي سبب أو معرفة مسبقة!!

يا الله كان يوماً جميلاً جداً.. كله حب . حتى الطفل الذي أجالسه عبَر عن حبه القوي المفعم بالحياة لما تناوش مع الأطفال و خلق جو المشاركة بين أكثر من طفل. صار كل الأطفال يعيرون بعضهم ألعابهم!

نعم حتى ماتياس ما وجدت في أفعاله إلا الحب. الطفل المدلل الذي لا يريد أن يتخلى عن لعبته و لا لدقيقة كان يستحق حب ماتياس له العنيف هذا! إن ضربة الكف من الأطفال دائماً أعتبرها نعمة و بركة و رحمة لما باكلها أنا و كون مستاهلتها.

 كل ما فعله ماتياس كان هدية لكل الحاضرين.. إنه طفل رائع و لكنه أيضاُ قوي من الداخل و محب. هذا كل ما في الموضوع..

 

حصل كل ذلك لأنني لم أكن مهتمة لرأي الأهل بي خاصة رأي المرأة التي كان ابنها يلجأ إليها أكثر من مرة هرباُ من ماتياس. راقبت و احترمت ما يحصل و وجدت فيه عبرة جميلة. لكن الامهات و كل البالغين من حولي الجالسين على الطاولات كانوا ينظرون إلي نظرات استهجان. لم يكن بإمكاني أن أفعل شيئاً غير صائب فقط حتى لا ينظر الناس إلي.. فلينظروا قدر ما يشاؤوا و ليفكروا ما يشاؤوا.

لما عدت للبيت الأب سألني عن ابنه فسردت القصة و قلت له أن ابنه تصرف بوعي و نضج ليس له مثيل لكن الأب كان متلهفاُ ليسألني في نهاية الحديث عن ما فعله أو قاله باقي الأهل أكثر من أي شيء آخر.. قال "ألم يقولوا لك شيئاً"؟ قلت بلى و شرحت له ما حصل لكنه انزعج و قال أنه هو أيضاً يعلم أن العيب ليس في ابنه فالعيب في المجتمع لكن المجتمع يحكمه و على قولته: "نحن نعيش به لذا علينا أن نكون مثله".

قلت له مع السلامة. لا يمكن أن أرفع قيمة "ما يعتقده و ما يريده الناس" فوق قيمة "الصواب فعله".

أنت ترفع قيمة المجتمع و رأي الآخرين بك كقيمة فوق قيمة الحب الإلهي .

بالنسبة لي مصلحة ابنك و مصلحة المجتمع أهم. مصلحة المجتمع ليس بالحال الذي هو عليه.. مصلحة المجتمع هو بالتغيير نحو التسامح و المحبة بالأفعال. و نحن من نصنع التغيير بالقليل من الجرأة فقط.

أما  أنا سأكون دائماً التغيير الذي أريده من العالم

و لا تتفق أولوياتنا.

شكراً و مع السلامة.

 

 

الصفحة الرئيسية