الحب

لماذا نريد أن نحب؟ لأننا نريد للشاهد على إلوهيتنا أن يكون موجوداً في شيء ننظر إليه و نلمسه و نلجأ إليه..  لكن كل ما سيفعله هذا الشاهد هو أنه سيساعدنا على الرجوع إلى الشهادة تسكن جنان القلوب و طمأنينة النفس.

أهم ما عرفته عن الحب هو أنه مخاطرة. كثيراً ما نضع حدوداً لتعبيرنا عن حبنا لأكثر الأشخاص القريبين إلى قلبنا لأن هناك في خلفية فكرنا ما يمنعنا من فعل ذلك.

نواجه لحظات تكون الفرصة متاحة للتعبير عن ملء حبنا.. لكننا نتردد.. في أوقات أخرى علينا أن نعيش بفرح و رضا حتى تأتي الفرصة.

هناك مفاهيم في مجتمعنا تعطي أدواراً معينة للأشخاص حسب جنسهم. قواعد تقول أن هذا التصرف تصرف يليق بأنثى و هذا التصرف يليق بذكر. خاصةً فيما يتعلق بالتعبير عن الحب...

أنا وجدت أن الأنوثة احتمال واحد، لكن المجتمع أرادني أن أرسم حدوداً أعرف بها كياني، حدوداً تنتهي عند الأنوثة.

الحقيقة هي أن لا شيء حررني أكثر من قبولي لحقيقة من أكون... لست أنثى و لا ذكر، و كلنا لوحات الله. رغم اختلافنا إلا أننا جميعنا فينا كل الألوان. دع الخالق يرسم و يعزف على أوتارك و اعلم أنك الخلاق الذي لا يحد ريشته زمن و لا لون.

في حالات معينة ستظهر ذكورتك و في حالات أخرى ستظهر أنوثتك. سيكون هذا طبيعي جداً! تعلمت أن رمز الحية رمز مهم عند بعض الثقافات لأن الحية تمثل بالنسبة لهم المرونة و التجدد (كما أن بعض الأنواع من الحيات تتخلص من جلدها القديم كل أسبوع.) كذلك السمكة و الماء يرمزون إلى المرونة. تعلمت أن علي أن أنتبه إلى متى يحين وقت تبديل موقفي من الذكوري إلى الأنثوي.. هكذا هي الحياة، "أخذ و عطاء" في الحب و في كل العلاقات..الأخذ و العطاء يجعل العلاقة تصبح أكثر حيوية.. مثل نبض القلب الذي لا يتوقف.. ستختفي الحدود و الأزمنة و ستشعر أنت بمتعة هذه اللعبة. ستصبح قدرتك على مجاراة التغيير كالسباحة في الماء أو كالرفرفة و الطيران (و من هنا أيضاً يأتي سبب تقديس ثقافة الهنود الحمر للريش! ستصبح خفيفاً كالريش).. ستدرك أنك كالنهر الجاري و أنك تفيض بالمزيد.. الخلود هو هذا الفيض الأبدي..

لم تقدس الشعوب الحيوانات و الطبيعة بدون سبب، نحن نستخف بهم من جهلنا، لكن في الطبيعة حكمة وضعتها الإلوهية في كل مخلوقاتها و ميزتهم بها.

من السلحفاة يمكن أن نتعلم الصبر و المثابرة و القوة..  من البقرة الثبات و الهدوء. من القطة الذكاء و المكر. و من الذئب الجرأة و من الحصان العنفوان و التمرد. و من الأرنب الحذر و الخصوبة.

لكن كل الأديان حذرت من شيء واحد و هو أن نصبح مهووسين بالرموز أو أن نعجب بالرموز (يطير عقلنا كما يقال في اللهجة السورية) فننسى أنها مجرد طريقة أو أداة.. حتى الكلمات رموز. لذلك نجد اليوم أن أغلب الناس يتعلقون برموز و شعارات و أعلام و أديان و فلسفات و تسميات و تحليلات.. 

الحب يجمع كل شيء و الرمز تعبير عن هذا الحب.

هناك الأنوثة المتطرفة و الأنوثة المعتدلة و الذكورة المتطرفة و الذكورة المعتدلة. إنها فقط عملية "الأخذ و العطا". مثلاً قد يكون الاستماع للآخر تارة و التعبير عن عدم رغبتك سماع الكلام بحزم و حب تارة أخرى.. قد يكون التجاوب مع الآخر و الانصياع لرغبته برغبة و حماس تارة و إظهار المشاعر الشخصية التي تجعل الآخر يعلم أنك تفضل لو ينصاع هو تارة أخرى.  لكن إذا لم تتذكر أن تبدل موقفك في الوقت المناسب ستصبح متطلباً أو متكبراً و ليس حازماً و لا منطقياً و لا محباً.

الغضب عاطفة لحوحة فيها اندفاع للدفاع. و هي معنية بعيوب الآخر و أخطاءه  و بحاجات و متطلبات الشخص الغاضب.  أما الحزم فينبع من تمركز الإنسان و هو معني فقط براحة الشخص الحازم نفسه و تعبيره عما يجب أن يعبر عنه في اللحظة التي يشعر بحاجته لفعل ذلك دونما تأخير أو تأجيل.  ومن دون أن يتعلق أو يكون متوقفاً على خيار الآخر سواء تجاوب أو لم يتجاوب.

كما تعلمت أنني أحياناً أتلقى بالفعل معلومات صحيحة من خلال حدسي و لكنني أنشغل بتحليل جزئيات هذه الحقيقة فأغفل عن الاستفادة منها..  إذا نظرنا إلى جزء واحد من الحقيقة سنبرر لأنفسنا انزعاجنا و عدم رضانا. لذلك ننظر إلى ما يبرر انفعالاتنا عند الشخص الآخر حتى لا نتحمل مسؤولية هذه الانفعالات أو هذه المشاعر و التصرفات. لكنك تحرم نفسك من اختبار الحب إذا فعلت ذلك. إذا نظرت جيداً سترى أن الآخر يحبك على طريقته... و إذا بدأت تلاحظ طريقة حب الشخص الآخر لك ستدرك أن للحب أبعاد لم تكن تتخيل أنها موجودة.

البعض من أحبائي أحبني من خلال إصغاءه لكلامي بحيادية دون أن يشاركني حكمته.. يصغي البعض من دون أن يتفاعلوا لأن ليس لديهم شيء يقولونه، و لكنهم أيضاً يصغون لأنهم يحبوك! أرجوك فقط أن تنظر إلى جزئي المعادلة و ليس فقط إلى جزء واحد منها! يصغي  البعض الآخر من خلال تفاعله. أمي مثلاً كانت دائماً تجيبني بطريقة تعارضني بها في كل ما أقول لكنني مع الوقت أدركت أنها تحاول أن تساعدني بإعطائي الوجه الآخر للقضية. إذا قلت أنني لا أرتاح لشخص ما ستقول أن علي أن أتفهمه.. من وجهة نظرها هي، تعتقد أنها تفعل ذلك لأنها تريدني أن أكون أفضل ما يمكن أن أكون عليه. ربما قد أشعر أنها تريدني أن أكون ما لست عليه لكن إذا كنت تدرك أن نية الآخر هي أن يحاول أن يراك في أفضل حال سترى الحب المندفع عنده. لا تعمل بالنصيحة لكن أدرك الحب. إذا كان هذا النوع من الحب يزعجك فلتعلم إذاً أن عليك ألا تشتكي أو أن عليك أن تقلل من إبداء الملاحظات السلبية أو الشخصية لأنها ستدفع الآخر إلى الشعور بأنه يريد أن يساعدك على طريقته أو سيبدي انزعاجه بتذمره هو الآخر. يعني تعلمت أن ردة فعل أمي على تذمري كانت إشارة من الحياة تقول لي: "كفاك تذمراً، افتحي عيناك و انظري حولك! لو لم تتكلمي كالضعيف المغلوب على أمره لما أعطيتي أمك الفرصة لتتكلم معك بهذا الشكل!" إذا كنت تشعر أن أحدهم يعاملك بطريقة لا تعجبك اسأل نفسك ما هو الجانب الذي تبديه من شخصيتك و الذي يدفعه إلى معاملتك بهذه الطريقة؟ إنه عدم تقديرك لنفسك و عدم إدراكك قوتك و استقلالك الحقيقي. انظر في الأمر ثم قرر انك ستعدل من هذا الجانب من شخصيتك و أنك ستصبح أكثر استقلالية..

الحب يعني في بعض الحالات أن نتجاوب مع الآخر... لكن أحياناً علينا أن نتجاوب بذكاء و حكمة و أحياناً أن نتفهم بصمت.. هكذا هي الحياة و هكذا هي العلاقات!

كما أنني أريد أن أتكلم عن تسيير طاقة الحب في قناة او مجال محدد. مهما كانت أمنيتك لن تتجسد من تلقاء نفسها و أنت تتفرج أو تنتظر حصولها.. عليك أن تجد عملاً  تحبه تجسد فيه نيتك من خلال شعور الحب هذا.. أنا لا أقدر بعد على تأليف الموسيقا التي أجسد فيها حبي و أماني لأنني لا زلت أدرس مبادئها. لكنني أستخدم موهبتي في الكتابة و الترجمة حالياً لأنني أحب أن أشارك الآخرين بما أفكر به.. دائماً هناك ما يمكن أن تفعله حتى تضع بذرة نواياك في أعمال ستعود إليك متجسدة بالشكل و المضمون الذي تبحث عنه. الحياة عملية خلق و إبداع.. و ستحول أي عمل إذا عملته بإتقان إلى خطوة على السلم الذي إذا صعدت دراجته وصلت لمبتغاك. الإتقان هو الحب و الحب فيه المرح و اللعب و التقدير لما تقوم به لنفسك و للآخرين.

 

الوحدة و العزلة

علي أن أشعر بحب ملائكتي يغمرني حتى أصبح مستقلة عاطفياً. كلنا سنمر بهذه الفترة التي علينا فيها أن نستسلم لحب الملائكة و نشعر به. حب الملائكة يعني هذه الطاقة التي تجول في جسمك إذا استرخيت و تنفست بعمق مردداً كلمات مثل: "الغفران" أو ببساطة من خلال صفاء الذهن في حالة الاستقبال و انشراح الصدر.

أحياناً يجب أن تحب نفسك من خلال العمل بإتقان و تأمل و متعة و أحياناً من خلال الجلوس بصمت مدركاً لما يجول في جسمك و خلاياك.

هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلنا حساسين لتلقي أمواج الحب الأكثر شفافية و بالتالي ترجمتها للآخرين على أرض الواقع..

لكن هناك عزلة إيجابية منتجة و عزلة سلبية تبعدنا عن نفسنا و عن الآخرين. لقد اختبرت العزلة السلبية قبل أن أختبر العزلة الإيجابية. كثيراً ما تكون تجاربنا السلبية هي الطريقة الوحيدة لإدراك الفرق بين "الحق" و "الباطل" أو ما نريده فعلاً و ما نحسب أننا نريده.

 

 

 

 

 

العودة للصفحة الرئيسية