تعليم الأطفال.

 

سنحت لي فرصة تعليم الأطفال الذين يعانون صعوبات التعلم في أحد مراكز التعليم المتخصصة بذلك. أحد الطلاب قيل لي أنه "يعاني" من فرط النشاط و تشتت الانتباه. لكن الحقيقة هي أن مجتمعاتنا و مناهجنا هي التي "تعاني".. هذا الطفل الذي التقيته حساس جداً. عندما نظرت إلى عينيه أردت أن أنظر عن قرب أكثر إليهما لأنهما كانتا كالبلور فكان الأمر أشبه برؤيتي طبقات من الأنوار فيهما. لا يمكن لهؤلاء الأطفال أن يتعلموا بإرادتهم إلا إذا كانت طريقة التعليم تدمج كل الأبعاد التي يشعرون بوجودها و يتواصلون معها في داخلهم. أمثل و أغير في طبقات صوتي أثناء إعطائي للدرس فيصبح الدرس حياً من خلالي. سيشعر الطفل به و يسمعه و يراه في مخيلته و يمثله و يرسمه و يحييه.  كما أن غذاء هؤلاء الأطفال مهم لأن السكر و الكيماويات تؤثر فيهم على المدى القصير و ليس على المدى البعيد كما يحصل مع أغلب من يصاب بالسرطان بعد 50 سنة بسبب تراكم هذه المواد.. جسم هؤلاء يقوم بردات فعل مباشرة على هذه الأطعمة فيشعر الطفل بشيء "يحكه في جلده" بسبب السكر الذي يجري في دمه و كل هذه المواد الأخرى التي لا يتقبلها الجسم.

إن ربط الكلمات بالأصوات و الحركات و الصور أو الخيال. كل هذه طرق إنسانية على عكس الطرق الآلية التي نبرمج أطفالنا عليها فيكبرون ليصبحوا آلات عاملة فاعلة لكن غير قادرة على الإبداع و لا على إضفاء لمسة شخصية على الدرس.

في اليوم التالي التقيت في هذا المركز بطفل آخر لديه ما يسمونه "فرط نشاط و تشتت انتباه" لكن هذا الطفل كان أكثر عنداً في شخصيته. ثم لاحظت أثناء إعطائي الدرس أنه لم يكن مهتماً لأي شيء في منهاجه لأنه يجد أغلب الأمور مملة و بطيئة. الأطفال الأكثر ذكاءاً هم أطفالاً أكثر حساسية لذلك هم ليسوا بحاجة  لدراسة المواد بتفاصيلها و جزيئاتها الصغيرة لأنهم إذا فهموا الصورة الكبرى ستندمج في هذه الصورة في عقولهم كل التفاصيل المتعلقة بها بشكل أوتوماتيكي. لديهم القدرة على الرجوع خطوة إلى الوراء لمشاهدة الصورة الكبرى. سبب خلقنا لمجتمعات مليئة بالأمراض النفسية هو أننا منشغلين عن إدراك الصورة الكبرى لأننا منكبين على تحليل جزئياتها..

 أنا مثلاً كنت لا أجد معنى لدروس القواعد في اللغة و لكنني أصبحت أجيد التعبير الكتابي بشكل عفوي بسبب ممارستي اللغة في الشعر و بقية المواد. كذلك كان الأمر بالنسبة للغة الأجنبية حيث أنني تعلمت أغلب اللغة من قراءة و حفظ الأغاني الانكليزية و من قراءة المقالات عن المواضيع التي تهمني شخصياً. لم أتعلم لكنني أصبحت أعلم بشكل تلقائي لأنني لم أتمرن على كتابة الكلمات كل حرف بحرفه. أما الرياضيات فلم أكن أجيدها لأنني لم أكن أدري ما علاقتها و علاقة الجبر و الهندسة بحياتي الشخصية... الآن أنا أدرك أنها أحد أشكال فهم نظام الكون. و هذا الطفل لم يكن بعد قد دخل مرحلة المراهقة لتكون لديه اهتماماته و مبادراته في البحث عن نوع المعرفة التي تهمه بعد.  هذا كل ما في الأمر.

لكن تصرفات هذا الطفل تصرفات مراهق متمرد دائم التذمر من مجتمعه مع أنه كان يعيش في جسد طفل عمره 9 سنوات. عندما كلمت صديقي عن هذا الطفل قال لي أنه يعتقد أنه ربما متأثر من حياته على كوكب المريخ لأنهم على هذا الكوكب يحبون أن يلعبوا دور "الأشرار". طلبت منه أن يشرح أكثر فقال أنه مجرد دور نتقمصه و قال أن بإمكاني أن أقترح عليه أن يغير لعبته إذا حاولت أن أوصل له فكرة أن: "نعم جميل هو هذا الدور الذي تلعبه و لكن هناك ما هو أجمل منه".

 تذكرت حينها حقيقة أن الأرواح تتقمص لأنها تريد أن تختبر وقفات و أدوار و شخصيات في هذا الجسد.. مثل الطير الذي يتعثر لأنه يتعلم أن يتحضر للتحليق قبل أن يتمكن من الطيران.

الخوف من القوة و العظمة هو دائماً ما يعيقنا عن المضي قدماً إلى الأمام..  و هو ما يجعلنا نتسبب في إعاقة هكذا أطفال أيضاً عن طريق محاولاتنا الدائمة أن نجعلهم كالبقية.

لقد رأيت أن عند هذا الطفل قدرة على دراسة منهاج الصفوف المتقدمة مع أنه في عمر التسع سنوات. كما أن ليس بإمكانه أن يدرس شيئاً ليس مهتماً به على مستوى شخصي! أما إذا قدمنا له ما يتحدى ذكاؤه بالفعل و وثقنا باختياراته الشخصية و قبل كل شيء جعلناه يدرك أننا لا نأخذ أي من هذه الأمور على محمل جدي و أننا لا نقصد أن نفرض عليه أي واجبات و لكننا نرغب لمجرد الرغبة أن نكتشف معه أشياء تهمنا و نشاركه بها حتى يشاركنا هو بما عنده من طريقة في فهمها و ربطها بإنسانيته. سوف ندرك عندها  أنه ليس بحاجة لحفظ قواعد الإملاء لأن هذه التفاصيل لا تعني شيء بالنسبة له.. و كلما حاولنا أن نجبره أكثر على أن يهتم بهذه التفاصيل الغير مجدية كلما أعقنا نموه و أخرنا قدراته و وقته أكثر.. 

كما أنني رأيت هذا الطفل يتعلم في حصة الحساب فقالت له المعلمة: "اصنع طوقاً جميلاً مثلي و كانت تصنع طوقاً مؤلفاً من لونين و كانت تعيد إدخال هذه الألوان نفسها بنفس الترتيب. و لكن الطفل لم يكن يستمع لنصيحتها و كان يضع ما يحلو له من ألوان الخرز في الطوق. فقالت له المعلمة أن ما يقوم به غير جميل لأنه غير منسق و طلبت مني أن أؤكد على ذلك و لكنني قلت لها: "تنسيقه ببساطة مختلف عن تنسيقك." الجمال شيء شخصي و هذا الطفل يريد أن تمس المواضيع التي يتعلمها إنسانيته و شخصيته. له صبغته الخاصة التي يجب أن يضفيها على ما يتعلمه لكن المجتمع يرى في ذلك تخلفاً لأنه لا يتماشى مع النظام العام. المجتمع يرى احتمالان لا ثالث لهما: الأبيض أو الأسود.. النظام أو الفوضى.. لكن طفل كهذا يريد بكل بساطة أن يستكشف و يتلمس و يختبر بنفسه قبل أن يقر بأي حقيقة.. جاؤوا إلى الأرض لينبهوننا إلى حقيقة أننا نكذب على أنفسنا و نقر بحقائق لم نختبر صحتها على مستوى شحصي أبداً بعد..

حتى حركاتهم الفجائية التي تفزعنا و نشاطهم المفرط هو إشارة منهم تدعونا إلى التيقظ و النهوض بأنفسنا.. لأنهم يدركون التشتت الذي نعيشه حيث أننا نجعلهم يعيشونه. يدركون كل ما يسببه هدر الطاقات في المجتمع الذي يعيشون فيه فيظهر ذلك في طباعهم و أفعالهم فتبدو لنا تصرفاتهم مجنونة أو مفرطة النشاط..

أثناء الدروس الأولى كان علي أن أتماشى كثيراً مع إحساس "غالب" بعدم الأمان لأنني قد أفرض عليه قواعد سلوكية أو واجبات و مطالب. لكنني لا أقصد أن أطالبهم بأي شيء.. الطفل الثاني، أي غالب، كان يريد أن يثبت للكل أن ليس بإمكانهم أن يفرضوا سيطرتهم عليه و أنه لا يكترث لأحكامهم التي يطلقونها بشأنه.عملت على استيعاب ردات الفعل هذه. كما أنني كنت غالباً أستدير و أبدأ باللعب و تمثيل الدرس لنفسي دون أن أنتظر الحصول على انتباه الطفل. ثم أدركت أنه ينتبه و يهتم للدرس و يستوعبه حتى لو لم يعطيني كل انتباهه بالطريقة التي نفهمها نحن عن تعريف الانتباه. يعني كان ينظر إلي عندما أقوم بحركات معينة حتى أمثل له ما أقصده و لكنه كان يدور في كرسيه و يتحرك و يلعب معي في نفس الوقت.. أهم ما تعلمته عن هؤلاء الطفلين هو أنهما لعوبين. خاصة الطفل الأول. في أحد الأيام كنا ندرس على ضوء الشمعة بسبب انقطاع الكهرباء فكنا نكتب بالألوان أثناء الدرس و نرسم أشكالاً لذلك عندما قلت أنني أريد اللون الأحمر أعطاني لون زهري غامق ثم عندما انتهيت من كتابة الكلمة وضع الورقة قريبة من نور الشمعة و قال: هاها! هل رأيت؟ إنه ليس أحمر! لقد خدعتك! كما أنه كان فجأة أثناء الدرس يمثل أنه سيعضني فيقترب من وجهي فجأة فاتحاً فكيه و مطبقاً إياهما ثم يعود جالساً كما كان. كان يفعل كل هذا أثناء تجاوبه في الدرس و تنفيذه لما طلبته منه لمدة نصف ساعة كاملة. كان يكتب الكلمات و يهجئ الأصوات و الأحرف. و لكن طبعاً كل ذلك بطريقة لعوبة حيث أنني مثلاً كنت أريه كيفية كتابة الكلمة ثم أخفي ما كتبته بسرعة فأضم الورقة إلى صدري و أقول له: اكتبها بسرعة كي لا تنسى! مع الوقت سيتجاوب معي هو بسهولة أكثر لأنه يعلم أنني لست أقصد أن أقيمه بأي شكل من الأشكال و لأنني أنا أيضاً سأتعلم كيف أبقي الدرس حياً أكثر. الحقيقة هي أنني لا أتمتع بعمل شيء أكثر من إعطاء الدرس لهذا الولد اللعوب الذي ينبض بالحياة. يبقيني متيقظة أشعر بنبض التفاعل الذي يحصل بيننا. إنه لا يأخذ مني طاقة فقط بل يعطيني الكثير من الطاقة أيضاً. أنا لم أقابل طفلاً آخر لديه هذه القدرة على الرد و العطاء و التفاعل الكامل.

طلبت مني مديرة المركز أن أكتب لها شيء كالتقرير أوضح فيه كيف أقسم عادة الدرس الذي أعطيه لكل طالب و الذي مدته عادةً ساعة واحدة. لكنني لا أقيد نفسي بطريقة واحدة لأن الطريقة تختلف من طالب لآخر حسب شخصيته و طريقته في التفاعل معي. و حسب ما تتطلبه اللحظة الآنية و ما يتوفر لدي من طرق. لكن يمكنني أن أقول أن شيء واحد ثابت و أكيد أثناء إعطائي للدرس و هو أنني كلما شعرت و لو بالقليل من الملل بدأ يتسلل إلى الدرس أغير في طريقة التعبير التي أستعملها أو أغير الموضوع كله و قد أكرره في درس لاحق إذا كان ذلك ممكن. في حالة سامي، الطفل اللعوب و الذكي جداً لا يمكنني أن أكرر على مسامعه الموضوع مرتين لأنه دائماً جاهز لتلقي شيئاً مختلف و هذا جيد لأن غايتي لا تكون في الموضوع نفسه عادةً أصلاً. لأن بإمكانك أن تدل على ظاهرة علمية واحدة مثلاً من خلال ملاحظتها في أمكنة و تفاعلات مختلفة في البيئة.. كما ستربط ظواهر و قواعد فيزيائية كثيرة ببعضها البعض عندما تلاحظ وجودها و تكرارها في أكثر من مجال من مجالات الحياة. فقط اعرض على طفل بهذا الذكاء التنوع الموجود و هو سيدرك الرابط.. هذا الخيط المشترك.. لهذا أقول أن طفل حساس كهذا هو طفل روحاني بطبيعته. لأنه سيعلم أن هذه الوحدة التي تربط العلوم ببعضها البعض هي الظاهرة التي نسميها "الله".

سأعطي مثال عن كيفية سير أحد الدروس مع سامي، هذا الطفل الحساس و اللعوب الذي يصر مجتمعنا على ألا يرى فيه إلا مشكلة يسمونها : "فرط نشاط و تشتت انتباه." لكنه أكثر من ذلك بكثير جداً. دخلت أنا و هو إلى الغرفة فوجد لعبة سيارة صغيرة فأصبح منهمكاً باللعب فيها. قلت له مرتين أنني أريد أن أحكي له عن شيء و أريد أن يتعلم أن يكتبه. و لكنه لم يعرني أي اهتمام و بقي يلعب بالسيارة. فأخذت السيارة من يده. فقفز علي و أراد أن يسترجعها مني و لكنني أحكمت قبضتي عليها فأوقعني أرضاً و أخذ يغلق فمي واضعاً شعري و يديه على فمي ثم شد شفتاي و وضع لحشتي على رقبتي و كاد أن يخنقني. كنت متلقية لكل هذا بروح لعوبة و كنت أتفاعل معه بعفوية فكنت أتألم و أقول له: لا لا تخنقني!" و لكنني كنت أيضاً بنفس الوقت أضحك. شعرت أن لديه طاقة حب عظيمة جداً. كم هائل من الحب. و لكنه لا يعرف أين يذهب بكل هذا الكم و لا كيف يوظفه أو يعبر عنه بطرق مختلفة. طريقته جميلة و لكنني أريده أن يعلم أن الاحتمالات لا متناهية و أن هذه فقط طريقة واحدة. سيتعلم ذلك مع الوقت طبعاً كلما نضج أكثر. و سيكون لي دور مهم في إرشاده على الرجوع إلى خط سيره الذي سيمشيه من تلقاء نفسه.

المهم أنني سمحت له أن يفعل أي شيء يريده إلا أن يأخذ مني السيارة. حاول كثيراً ثم انتهى من ذلك و هدأ و فهم الرسالة التي أريد أن أوصلها له و هي أنني لست أريد أن أكون المسيطرة في هذه العلاقة و لكنني رغم ذلك موجودة هنا و سيتجاوب مع طريقتي لأنني أنا أيضاً مستعدة للتجاوب مع طريقته. سيعدل هو قليلاً من طريقته اللعوبة و أنا سأعدل من طريقتي التي قد تبدو له جدية. الرسالة إذا هي أننا شريكان.  نكتشف طرق بعضنا البعض في التعبير و نكتشف مجالات أوسع للتعبير. بعد أن وقف و نهض عني جلس على المقعد فطلبت منه أن يحزر كيف يكتب الكلمة و لكنه كان يلعب بالقلم و المادة اللاصقة. فغيرت الموضوع، لأنني أدركت أنه سئم من موضوع الألوان مع أنه لم يتعلم بعد كيف يكتب أسماء الألوان بشكل صحيح.. و لكنني كنت قد أعطيته درسين عن الألوان و كيفية كتابة كلمات من هذا القبيل. فغيرت الموضوع و صرت أحكي له عن العناصر الخمسة و أمثلها له. كان ينتبه لأن الأمر أثار اهتمامه. ثم قلت: الآن سنكتب بالكلمات هذه العناصر الخمسة. فصرت تارةً أكتب حرف فيكتب هو الحرف الذي يليه أو أكتب له الكلمة و أتحداه أن يكتبها بعد النظر إليها لثواني معدودة. كالمسابقة. أريد أن أقول من هذا كله أن الغرض هو أن أعلمه أن يكتب، لا أن أعلمه أن يكتب عن موضوع معين... مع الوقت سيتعلم أن هذا الحرف و ذاك يشكلان معاً هذا الصوت، و سيستنتج بشكل تلقائي مع الوقت كيف يكتب حتى أكثر الكلمات صعوبة و تعقيداً.. إذاً.. ربع ساعة لعب. استسلمت له أنا قليلاً لأنني رضخت جزئياً لطريقته لكنه هو أيضاً اضطر أن يرضخ لمطلبي فاستسلم قليلاً.. الاستسلام هو الاسترخاء و الانفتاح على الآخر. إنه الشعور بالأمان مع أحدهم.

بعد هذه الربع ساعة كان هناك نصف ساعة كتب فيها الكلمات و تجاوب جيداً بالطريقة المرحة المليئة بالحركة. ثم في آخر ربع ساعة سألني عن الوقت فعلمت أنه بدأ يسأم فقلت له أنني سألعب معه لما تبقى من الوقت لكنه قال أنه يريد أن يكمل ما بدأ بناؤه باستخدام المكعبات.

مع الوقت سيتفاعل هو أكثر و سيتجاوب لوقت أطول لأنني أنا أيضاً سأكون قد تعلمت كيف أجاري سرعته و نشاطه بالانتقال إلى مواضيع مختلفة بسرعة أكبر.

كما أنني لن أطلب منه أن يكتب في كل درس مع أن نقطة ضعفه الأساسية هي في الكتابة.. و لكنني سأعطيه درساً أقرأ له فيه عن موضوع يهمه مثلاً و درساً آخر أعلمه الكتابة. وعلي أن أقول أن الأصح هو أن أقول: "أن ألعب معه الكتابة" أو "أن أرسمها".

 

كما أنني أريد أن أشير إلى أنني حضرت مرة درس معه في صفه فكان ما رأيته مؤسف جداً. فهمت مرة أخرى أن العيب أبداً ليس في هؤلاء الطفلين بل العيب الوحيد هو في طريقة إعطاء الدرس و في معتقداتنا البالية. هذه المدرسة كانت مدرسة خاصة ذات بناء جميل جداً و مكلف. حيطان الصفوف مزينة و ملونة.. لكنني فكرت، ما الفائدة من كل ذلك إذا كانت الطريقة نفسها في التربية تتكرر؟ الجيل يتغير و الطريقة لا تتغير! كانت معلمة الصف توبخ الطالب لأنه لم يقف عندما دخل أستاذه من الباب. هددته لأنه فعلها أكثر من مرة!  أما معلمة الإنكليزي فكانت تجري تسميعاً و تقييماً لكل طفل على حدىً حيث كان يتوجب عليه أن يعرف معنى الكلمة التي تقرأها هي له بالعربي.. أحسست أنني في صف رجال آليين أو قواميس آلية بالأحرى. كان سامي أحد هؤلاء الطفلين الذين أدرسهم يقف بالقرب من المعلمة مستمعاً إلى ما يجري بين المعلمة و الطالب أثناء التسميع.. ثم كان يذهب ليقف قرب اللوح و يشير إلى الكلمة و يقول أشياء عنها.. و كانت المعلمة توبخه باستمرار لأنه لم يكن يجلس في مقعده كما يجب أن يفعل.

ما قصة هذه ال "يجب"؟ إنه مرض مجتمعنا العربي بالذات أكثر من باقي المجتمعات. أنا درست في مدارس كندا الابتدائية عندما كنت صغيرة و لم يكن أي طالب يقف إذا دخلت المعلمة من الباب و لم يكن أحد ينادي المعلمة بالاألقاب. كنا نناديها باسمها. الطلاب لا ينادون "آنسة" للمعلمة في هذه المدرسة الخاصة "الحديثة"، بل ينادونها "ميس" أي "أنسة" بالانكليزي. كلمة الباحة استبدلوها أيضاً بكلمة "بريك".. هل هذا هو التطور؟؟ عندما ذهبت إلى كندا في سنوات رشدي لأدرس في أحد المعاهد لاحظت أن هذه الأريحية في التعامل مبالغ بها إلى حد ما، لأن  الطلاب كانوا يأكلون أثناء إلقاء الأستاذ للمحاضرة، و كانت التلميذة "تجعلك" ورقة الشوكولاتة التي أكلتها فيصدر ذلك صوتاً يلهيني و يشتت تركيزي. أدرك أن في ذلك مبالغة، لكن أنا لا يمكن أن أعطي درساً لطلاب جالسين في أماكنهم، أطفالاً كانوا أم كبار. يجب أن يتفاعلوا معي بحركات أجسادهم و وجوههم و أصواتهم على راحتهم إذا أرادوا أن يفعلوا ذلك.. ما الفائدة من العلم إذا كان مجرد تلقين و ترديد ببغاوات أو سؤال و جواب؟ أنا أرى أن العلم تفاعل مستمر. لوحة ترسم مراراً و تكراراً بنغم مختلف كل مرة. الطالب و الأستاذ عنصران أساسيان في هذه اللوحة. الأستاذ سيتعلم و يعلم و الطالب كذلك سيتعلم و سيغنيك هو بطريقته في فهم العلاقة الموجودة بين لفظ الكلمة و معناها مثلاً.... كل شخص له وجهة نظر!

 

تعليم الصغار جداً

كما أن هناك شيء آخر يجب أن أذكره و هو أن الأطفال الصغيرين في السن يستكشفون عالمهم المادي و لا يفعلون شيء سوى ذلك طوال النهار..  لكنني رأيت أن الكثير من الأهل لا يريدون أن يقبلوا هذه الحقيقة خاصةً الأمهات اللواتي تردن أن يبقى بيتهن مرتب و نظيف على الدوام. ستمضي نهارها في عراك و شجار لا ينتهي مع أطفالها لأنها تريدهم أن يتصرفوا بطريقة ناضجة و ألا يلعبوا بهذا الشيء و ألا يلمسوا ذاك.. الحقيقة هي أن الطفل لن ينضج فعلاً في شخصيته و روحه إذا لم ندعه يستكشف العالم من حوله عن طريق اللعب و إحداث الفوضى.  كما أنك أنت أيضاً ستجد أن الطفل ما زال موجود فيك إذا شاركت أطفالك بعضاً من وقتك في اللعب معهم.. أجالس أبناء صديقتي و بعد كل الفوضى التي نحدثها أرشدهم إلى ترتيب البيت و تنظيفه معي و قد استنتجت أنهم يحبون جداً أن ينظفوا و أن يمسحوا و يكنسوا! عندما يمسك ابنها ذو السنتين مكنسة السجاد الكهربائية أمسك أنا الأنبوب من فوق دون أن يلاحظ أنني أفعل ذلك حتى أحركه بلطف في الاتجاه الذي يجب أن يتوجه نحوه و أشير إلى القاذورات حتى يقوم بشفطها.. دائماً يقول لي: "أنا أنا سأفعل ذلك!" لا يمكن للطفل أن ينضج في شخصيته إلا إذا استشكف قدراته و استخدمها. حتى ثيابه سيكون له ذوقه الخاص بها في عمر السنتين! لكن أغلب الأطفال يكبرون و معهم عقدة إثبات الذات، فتراهم يحاولون من خلال أفعالهم و تصرفاتهم أن يثبتوا استقلاليتهم في شخصيتهم... أنا لم أشعر بمتعة أكثر من متعة التعامل مع طفل ذو سنتين.. ذكاؤه لا يتطلب مني إلا أن أقوم بالحماية و الإرشاد الحازم تارة و اللطيف تارة أخرى. كما أن الأطفال يعلموننا كيف نتقبل الفوضى و قلة النظام لأن الأمر الإيجابي في قلة النظام هي العفوية..

لا حال يدوم، لا النظام و لا الفوضى!

 

 

 العودة للصفحة الرئيسية