حتى ننقذ سوريا...

 

كنت اليوم أستمع لنقاش بين صديقين يدور حول الأوضاع السياسية في المنطقة.  كان كل من الشخصين يلقي اللوم على جهة من الجهات. أحدهم قال أن الجيش و النظام مجرم لأنه يقصف المدن و يهدم الأحياء و أن انتشار المسلحين و العصابات لا يبرر هذا الفعل. الصديق الآخر كان يقول أن المجرم هي العصابات المسلحة و أن الحكومة مضطرة للقضاء عليهم بهذه الطريقة حتى يحموا البلد.

 
أنا تعلمت شيء واحد و هو أن الغفران و التسامح هو أهم غرض جئت لأنجره على هذه الأرض. و صرت أعلم أن كل من يثير عندي مشاعر المضايقة و الغيظ أو الخوف و القلق هو أهم من يمكنه أن يعلمني عن المغفرة، لأنني بفضله أدرك أنني بحاجة للغفران و الرحمة. أن أغفر لأحدهم شره يعني أن أعلم أنه إنسان و يعني أن أدرك أنني في داخلي قد أحمل ما يحمله من شر و عدائية. كل هذه ما هي إلا خبرات بشرية.. إنه شيء بشري.. حتى "الشر" شيء بشري... و حتى أمريكا و الغرب و المتآمرين على سوريا هم بنظر أنفسهم يتآمرون لخير سوريا لأنهم أدرى  بمصلحتها.. إنهم يريدون الأفضل لها.. من وجهة نظرهم هم. و السوريين في الداخل أو المتعاطفين مع الجيش و النظام السوري أيضاً يريدون الخير لسوريا و هم من وجهة نظرهم يدافعون عن مصالح سوريا.. و عن القيم السامية..
 
 إن "معاداة العدائية" و "العدائية" نفسها.. أي إن "الخوف من الشر" (أو "كره الشر") و "الشر" هما وجهان لعملة واحدة..
 
يكملان بعضهما البعض. أن نخاف من أحدهم أو أن نتخذ موقفاً دفاعياً.. نبرر ذلك لأنفسنا بطرق شتى لكن الحقيقة تبقى واحدة، و هي أن من يثير عندنا مشاعر الهلع أو الشك و الارتياب هو أهم من يمكنه أن يعلمنا عن الحب الحقيقي. الحب ثقة بريئة بالألوهية.. إنه الشهادة.. أن يشاهد الإنسان بصمت.. أن يكون شاهد على الأحوال و المشاعر و الأفكار و إطلاق الأحكام.. إنه الصبر الحقيقي.. .. لولا الشر لما كان بإمكان الإنسان أن يعرف الخير الحقيقي.. لولا الكره و العنف لما أدركنا أهمية أن نحب و نرأف و نتسامح... أن نحب و نرأف حتى المسلح المعتدي... "القاتل السفاح".. أن نغفر له شره.. لأننا بهذه الطريقة سنحول شرور العالم كلها و ليس فقط شره.
 
قانون الكون يقضي أننا نجذب إلينا من يكملنا.. و أنا أقول لمن يعارض النظام و الحكومة أن "كما تكونوا يولى عليكم" و إذا لم تتعلموا أن تتفهموا و تغفروا لهذا النظام و تحبوه ستبقى الحرب حرباً.. على الأقل في فكركم... و عاجلاً أم آجلاُ ستجذبون إليكم من يعلمكم درساً عن المحبة المطلقة. إذا فشلتم في تعلمه ستعودون مرة و أخرى و تعيدون الكرَة.. مرات أخرى عديدة.." يحيي العظام و هي رميم" "ثم يميتها ثم يحييها".. المحب لا يخاف.. لأن المحب يرى حتى في عيني قاتله بذرة الألوهية. إنه يقدرها إذا رآها و هو مصمم على أن يراها في كل مكان.
 
لأنه يؤمن بها.. هذه هي حقيقة الإيمان بالألوهية.
 
الحب ثقة بريئة بالألوهية
 
و أقول لمن يلعن العصابات المسلحة و يلومهم على ما يحصل أنكم إذا لم تتعلموا أن تغفروا و تسامحوا شرور الدنيا كلها لو رأيتموها في ابليس نفسه... ستبقى الحرب مستمرة..
 
جذبنا إلينا هذا الدمار و كل هؤلاء المسلحين و العصابات و المؤامرات حتى تعلمنا المغفرة لأنها تنقصنا. نمنا كثيراً.. صرنا كالأموات... نغفل عن مدى عظمة الشرخ الموجود في البيت الواحد و العائلة الواحدة... يعيش الزوجان معاً لكن كل منهما يعيش في عالمه.. حتى يتجنب أن يتصادم مع الآخر.. فقط ادخل البيت السوري و انظر إلى الطريقة التي يفكر و يتعامل بها الطفل و الزوج و الزوجة و المدير و الرئيس و المرؤوس  مع بعضه بعضاً. إنها الأفكار.. النوايا.. سواء بحنا بها بصوت عال لبعضنا البعض أم لم نفعل..  عندما أقول في كل بيت أعني حرفياً في كل بيت. يعني حتى في بيتي أنا و في عائلتي أنا!! أنا أول من يجب يتعلم عن الحب... أن أتعلم كيف أتقبل زوجي و أغفر له.
 
و كيف أتقبل أمي و أبي وأغفر لهما
 
كيف أتقبل ابني و أغفر له.. أن أغفر له أخطاءه و عيوبه و نواقصه.
 
حتى أكبر "المثقفين" سناً و أكثرهم التحاءاً في سوريا يكتب على صفحة الفيسبوك أن "صديقه يتعرض للمضايقة من شخص سيء".
 
لكن طالما أننا لا نزال نصر على أن نرى العالم بالأبيض و الأسود... و أن نستخدم مصطلح الجيد و السيء...و الظالم و المظلوم...
 
اللهم إني كنت من الظالمين
 
و لا يظلمون إلا أنفسهم
 
لمسة واحدة.. تربيته واحدة على كتف أحدهم.. نظرة صدق واحدة من القلب..
 
...قد تقلب العدو صديقاً..
 
لكن فلنبدأ بمصادقة أنفسنا.. و أقرب الناس إلينا..
 
يجب أن نتعلم كيف نحب بعضنا حباً حقيقياً و غير مشروط.. و إذا لم نفعل.. لن ننقذ أحد.. و لا حتى أنفسنا.. و القادم أعظم... دمار الكرة الأرضية كلها.. إنه نداء الطبيعة.. نداء الله لنا.. أن نرجع إليه.. إلى المحبة المطلقة.
 
شكراً يا مسلح.. شكراً يا شبيح.. شكراً للمصائب.. لأنها فرصة لإيقاظ البشرية من سباتها.
 
يقال صبر أيوب.. أن أيوب بقي يحمد ربه و يشكره حتى لما أصابه الجذام و صارت أعضاء جسمه تتآكل..
 
عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم.
 
 
 
البشرية على وشك الانقراض.. بفعل التدمير الذاتي.. و لن ينقذنا من ذلك إلا المحبة. الغفران.
 
 

  

 

لقراءة المزيد

 

انقر هنا

 

العودة للصفحة الرئيسية