لدى صديقتي صبيين أحدهما عمره سنتان و الآخر خمس سنوات. كان المشهد الذي يتكرر بينهما باستمرار كالتالي: الطفل الأصغر سناً يقترب من الطفل الأكبر سناً ليحاول مثلاً أن يلعب بألعابه و كان  كلما فعل ذلك يتلقى ضربات من أخوه الأكبر فيركض إلى أمه فيبكي في حضنها و تقول هي للولد الأكبر أنه غير صالح أو تلومه أو تضربه.

في الفترة الأخيرة كانت صديقتي هذه كثيراً ما تترك طفليها معي في البيت فكان علي أن أتعامل معهما. كلما ضرب الأخ الأكبر أخوه فيما كنت جالسة معهما كنت تارةً أقول للطفل الأكبر: "إنه يريد أن يلعب معك و لكنه لا يعلم كيف، علمه برفق!" ثم كنت أمسك سيارة من سياراته و ألعب بألعابه هذه بطريقة تجعله يرغب باللعب معي ثم أريه كيف أنني أريد أن يلعب معنا أخوه الأصغر.. و لكنه كلما حاول مرة أخرى هذا الصغير أن يلعب معه كان يتلقى ضربات من أخوه. لم أكن أحاول أن أمنع الكبير من أن يضرب أخوه و لكنني كنت أتنبه جيداً إلى حركاته حتى أمنع الضربات التي يمكن أن تؤذي الطفل و أن تسبب له أكثر من مجرد البكاء أو الألم. كلما وقع، كان الصغير يتوقع أن أنقذه أو أرفعه عن الأرض.. لكنني ام أكن أفعل ذلك فكان يضمني و يقول لي: "قولي له!" فكنت أقول: "بل قل  له أنت. قل له ماذا تريد. هل تريده أن يتوقف؟ إذاً قل له توقف لو سمحت فأنت تؤلمني. أخبره بما تشعر به". أحياناً أخرى كان هذا الصغير يركض إلى حضني (عند ما أكون بعيدة عنهما) و يتمسك بي و يبكي و يقول: "ضربني أبراهيم! قومي و اضربيه!" فكنت أضمه إلى صدري و أقول له: بل قل له "سامحك الله" ثم أقول له أنا "سامحك الله يا ابراهيم". لم أكن أرى أي تحسن في تصرفات "ابراهيم" و لا تحسناً عند أخوه الصغير. و لكنني كنت متأكدة من أن مثابرتي على عدم تعنيف الكبير و عدم الشفقة على الصغير ستجعل الصغير يقوى و يتعود على تلقي بعض الألم، كما أنه سيجعل الكبير يتروى لأنه سيفهم أن بإمكانه أن يضرب أخوه لأنني لا أقصد أن أمنعه و لست أخاف من ضرباته فأنا أعلم أن تأثيره ليس كبير إلى هذه الدرجة و لكنني كنت أظهر له تارةً أنني كنت أعتقد أن أخوه يتألم و أنني أتعاطف معه و لكن أغلب الأحيان كنت فقط أتفرج بلا أي تعبير على وجهي و لا أي حكم في فكري.

 ضربت ابراهيم مرة واحدة. في إحدى هذه المرات كان يحمل عصاً طويلة و يضربني و يضرب أخوه بها. طلبت منه أن يتوقف عن فعل ذلك مراراً و تكراراً لأنه يؤلمني و لكنه بقي يفعل هذا مرة بعد مرة فكسرت له عصاه و صرخت في وجهه. في إحدى المرات الأخرى كان يلعب أيضاً بعنف مبالغ به  فتلقيت منه عدة ضربات لكن في النهاية صرخت في وجهه و "سفقته كف" و أنا أقول له أنه آلمني بغضب و بأعلى صوت!

الذنب ليس ذنبه في أنه يتصرف هكذا و كنت ألاحظ أنه يقلد أمه. نحن النموذج الذي يتخذه الأطفال عبرة.. كنت أراقب كيف أنه كلما اقترب هو من أي شيء يخصها أو كلما أراد أن يعيد ترتيب الأثاث حتى يلعب كانت تعنفه و تصرخ في وجهه..

داومت على طريقتي في التعامل معهما لمدة أيام متتالية في الفترة الأخيرة. أهم شيء هو أن نكون مثالاً نريد للصغير أن يحتذي به. لذلك كنت أعلم أن أهم شيء أفعله هو أن ألعب مع الصغير حتى يرى الكبير كيف أنني أستوعب قلة خبرته في اللعب. كان الكبير يريد أن ينضم إلينا و لكن سرعان ما كانت متعة اللعب تزول بسبب لعبه العنيف معنا. كنت أستوعب ذلك في البداية لكن معبرة بوضوح عن ألمي و انزعاجي ثم كنت أقول له أنني سأتوقف عن اللعب فأذهب إلى غرفة أخرى و أتوقف عن التفاعل معه او الرد عليه.

أذكر أنني في مرة من المرات صرخت في وجهه قائلة: أرأيت لماذا لا نحب أن ألعب معك؟ لأنك تؤلمني!" ثم ذهبت إلى الغرفة الأخرى و لحق بي الصغير.. بعد خمس دقائق جاء ابراهيم إلينا مرة أخرى و قال لنا: هل يمكنني أن ألعب معكما؟

فقلت له على الفور: "طبعاً".. أهم شيء ألا نضع شروطاً لتصرفات الطفل.

لا شروط مهما كانت!

أعلم أن أغلب الأهل في هذه الحال قد يقولون: هل تعدني أنك ستتصرف كما يجب؟ إذا وعدتني سأدعك!"

أما أنا فكنت أثق بأنه كان يتعلم.. ربما عملية التعليم تستغرق وقت و لكن في النهاية كنت أعلم أنه يتعلم عن التسامح في كل مرة أكثر بقليل من المرة السابقة. إذا أردت أن يتعلم ابنك التسامح عليك أن تكون أنت أولاً و قبل أي أحد متسامح. التسامح هو أهم شيء في التعلم. التسامح هو الثقة البريئة الغير مشروطة بالآخر مرة بعد مرة بعد أخرى.

أعتقد أن هذا النوع من التسامح سيغير أي شخص، لأنه المحبة الخالصة.

أما في آخر مرة جالستهم بها تفاجأت بتغيير كبير في الطفلين.

الطفل الكبير دعا أخوه ليلعب معه فوضع المخدات و قطع الأثاث الطرية في صفين على الأرض و صار يريد أن يقفز عليها من فوق الأثاث. و لكن الأعجوبة هي في أنه صار ينتبه كثيراً إلى سلامة أخوه الصغير و يقول له: "انتظر لا تقفز هنا لأن هذه المنطقة خطرة فقد يرتطم رأسك بحافة الطاولة! دعني أسوي لك الوضع أولاً".. لم أصدق ما كنت أراه و لا الضحكات المتناغمة التي كنت أسمعها. كان الانسجام بينهما رائعاً. لم أعد بحاجة لأن أنتبه كثيراً إلى سلامة الصغير لأن أخوه كان يتكفل بهذه المهمة!

أما الصغير، فتفاجأت بأنه خرج من المرحاض بعد قليل و قد رفع سرواله الداخلي. سألته: هل نظفت نفسك بالماء قبل أن ترفع ثيابك؟ فقال لي أخوه الأكبر: "نعم، رأيته يفعل ذلك". فقلت في نفسي: صار يعرف قيمته و قدراته الحقيقية! لقد فعل شيئاً بنفسه و لوحده من دون أي مساعدة!

أريد أن أشير إلى أنني لاحظت شيئاً واضحاً منذ البداية: الطفل الأصغر كان يحب أن يلعب دور الصغير الأبله المغلوب على أمره الذي يطلب مساعدة ماما في عمل كل شيء لأنه معلق بها. طبعاً هذا حصل لأن أمه غذت و عززت عنده دور الضحية. كانت بطريقة معاملتها له تعطيه رسالة واضحة تعرفه من خلالها، رسالة تقول :"أنت بحاجة إلي لأنك صغير" و "أنت ضعيف".

طبعاً الطفل بحاجة لأمه لكن فقط لدرجة معينة.. هناك حاجة طبيعية و حاجة مبالغ بها.

أما الطفل الكبير فكانت الرسالة التي توجه له باستمرار تقول : "أنت الكبير لذا أنت المسؤول!" فكانت هذه المسؤولية نوعاً من الغرور و السلطة ألبسته إياها. و كانت في نفس الوقت تلومه على ذلك و تحمله مسؤولية الخطأ.

لاحظت أن الأم ألبست أدواراً مسبقة لكل من طفليها. سيكبر هذا الطفلان ليجدا أنهما يعرفان دورهم في الحياة من خلال هذه المعاملة التي عوملا بها في الصغر، لأنها تترسخ في الكبر. الطفل الكبير يتصرف كقائد فرقة أو كمفتش في المدرسة حيث أنه كان يريد أن يكون كل شيء مرتباً و في مكانه الصحيح و إذا أعاق طريقه أحد كان يصرخ في وجهه معطيا الأوامر و يضرب. أما الطفل الصغير فكان كالأبله دائماً يقول "ماما" كلما انزعج أو وقع على الأرض بدلاً من أن يقوم فيقف على رجليه بنفسه."

كلنا بلا أي استثناء مثل هذين الطفلين و لكن ليس بنفس الدرجة ربما. لأننا كلنا أُلبسنا أدواراً و أصبحنا نعرف أنفسنا من خلال طريقة تفكير أهلنا و مجتمعنا بنا..

لكن التسامح و الحب ينتصران دائماً. إنهما الطريقة الوحيدة لتصحيح كل شيء. و قد أثبتت ذلك في تجربتي مع هذين الطفلين.. إن التغيير الذي حصل لهما كان لا يصدق

 

 

 

الرجوع للصفحة الرئيسسية